فقه العروض والقافية:[دائرة الوحدة] (1)
Dec 9, 2024 01:21 PM Dec 9, 2024 01:21 PM
[دائرة الوحدة] (1) افترض عبد الصاحب المختار فيي كتابه (دائرة الوحدة في أوزان الشعر العربي) أن أصل الوزن في العروض هو: (دَنْ دَنْ دَنْ دَنْ)، وهو يساوي (مفعولاتن). وهي تفعيلة ثمانية، وقد أخذ جواز مثل هذا من حازم القرطاجني في كتاب الأخير (منهاج البلغاء)، الذي قال بالتفاعيل السداسية والسباعية والثمانية والتساعية. فقد قال عبد الصاحب: (الأصل الطبيعي لكل الأوزان هو متحرك يليه ساكن (دَنْ) مكررا أربع مرات (دَنْ دَنْ دَنْ دَنْ)). [ص: 34] ورأيت من المعاصرين من حذا حذو صاحب (دائرة الواحد)، باعتماد الثمانية، فقال عن التفعيلة (مفعولاتن) الثمانية هي أصل كل وزن. وبجانب سعيه لتوحيد الوزن في معيار واحد رئيس، هو: ((دَنْ دَنْ دَنْ دَنْ))، يَصلُح أن يكون ما سواه مشتقا منه، سعى كذلك لتوحيد الدوائر الخمس في دائرة واحدة. وسيأتي معنا كلامه قريبا. كما أنه قال بما قال به حازم القرطاجني من ضرورة الانسجام والتناسب، وهما أخذا هذا من أرسطو، الذي قال به الأخير في كتابه (في الشعر). وجعل الكاتب أصل النغم، هو النغمة الخفيفة _النقرة الخفيفة_: (دَنْ) أيْ متحرك فساكن. وقد سبقه بهذا ميخائيل خليل الله ويردي في كتابه (بدائع العروض). وقد اعتمد ميخائيل ويردي الخطَّ الأفقي، بينما اعتمد عبد الصاحب الدائرة. ورأى الكاتب أن السكون بعد الحركة هو أصل كل نغم، وأنه إذا تحرك الحرف الساكن، فهو تحرك طارئ ومؤقت، وسمى الحركة تلك بالحركة الطارئة أو المؤقتة، ورأي أن الحرف الساكن إذا تحرك، فإنَّ سكونه يحمل الحركة الطارئة عليه، من فوقه (الضمة والفتحة) أو من تحته (الكسرة)، وإذا سكن الحرف بعد حركته فإنه قد عاد لأصله. والعرب تسمي الحرف المتحرك بالثقيل، والحرف الساكن بالخفيف، وقد ذكر هذا أبو الحسن العروضي في الجامع، والثقل هو من ثقل الحركة فوق الحرف أو من تحته. و رأى عبد الصاحب أن أصل المقاطع هو: (دنْ) أي المتحرك ثم ساكن بعده، وهي نغمة خفيفة (نقرة خفيفة)، وتوازي السب الخفيف، والنغمة الثقيلة (دَنَ)، و توازي السبب الخفيف، بتحريك النون الساكنة من (دَنْ)، و(دَ) نغمة صامتة، وهو حرف متحرك، يأتي بعد حذف النون الساكنة من (دَنْ). والسؤال: لماذا جعل عبد الصاحب (دَنْ) أصل الوزن؟ أرى أنه اعتمد في هذا الرأيِ، على ثلاثة أمور: (1). الجذر اللغوي: الكاتب ممن يؤمن بأن كل مفردات اللغات ذات جذر ثنائي، ونظرية ثنائية اللغة من النظريات المعاصرة، والتي تفترض أن كل ألفاظ اللغة في أصلها مكونة من صامتين: متحرك فساكن. مثال: نف، هو أصل لما يلي: نفث، نفذ، نفر، نفج، نفخ، نفح، نفس، نفش، نفل، ........ وهذا يقتضي أن أصل معانيها متقاربة لأن الجذر الرئيس واحد. ووجدتُ من جعل تطور اللغة على مراحل هي: الطفولة وتتمثل في ثنائية الجذر، ثم المراهقة وهي مرحلة تضعيف الحرف الثاني في المقطع الواحد، مثل: حبّ، جدّ، ثم الثلاثي وما فوقه من الرباعي والخماسي، وهي مرحلة البلوغ والنضج والاكتمال. وعلى هذا التصور قال صاحب (دائرة الوحدة) إن أصل النغم العروضي هو ثنائي، هكذا: (دَنْ) حرفان صامتن: متحرك فاسكن. ولهذا يفسر مثلا الفاصلة الصغرى: (دَ دَ دَنْ) بأن أصلها الأصيل هو (دَنْ) وما (دَ) سوى (دَنْ) أسقط نونه الساكنة. وكذلك الوتد المجموع (دَدَنْ) هو (دنْ دَنْ) إلا أن النون الأولى سقطت. (2). الجذر النغمي: يرى رأيَ يوحنا دي موريس، ومن معه، من أن أصل النغم الموسيقي هو العدد أربعة، ولهذا قال أن أصل العروض هو هذا المعيار: (دَنْ) أربع مرات، أي: (دَنْ دَنْ دَنْ دَنْ). (3). الجذر العروضي: وهو يرى أن كل مقاطع العروض، في كل اللغات، تتألف من حرفين صامتين: متحرك فساكن. وإليك موجز كلامه عن هذه الأصول التي اعتمدها: (ولما كان اعتماد البناء الوزني برمته، يقوم على العدد أربعة، أي على أربعة أصوات، كما ذكر الباحث الموسيقي يوحنا دي مورس، وغلوكون. وقياسا على أن اصل اللغة حرفان، متحرك فساكن ...........، ولما كانت المقاطع القصيرة في جميع العروض تتألف _كما ذكرنا_ من حرف متحرك فآخر ساكن، ............، أمَكَن الوصول إلى توحيد أوزان العروض أجمعَ في دائرة الوحدة المتكاملة بالتوحيد بين النغمين (دَنْ دَنْ) و(دَنَ دَنْ) من حيث أصلهما الواحد، ....، وقد ثبت عدم صحة الاهتداء بالدوائر المصغرة في استخراج البحور، ما لم يتعرف العروضي على أصولها في الدائرة الواحدة، التي تجمع بينها على أساس طبيعي واحد. .........). [ص: 14_15]. ملخص: دائرة الوحدة، هو كتاب استفاد صاحبه من منهج حازم القرطاجني وأرسطو، وميخائيل ويردي، وغيرهم. كما أن من جاء بعده استفاد منه، وبخاصة أصحاب العروض الرقمي، في مسألة توحيد الدوائر. وسأكمل بيان آراء صاحب وحدة الدائرة في المقالة التالية، بإذن الله تبارك وتعالى.


الكاتب: عبده فايز الزبيدي
0المفضلة
51 المشاهدات
0 تعليقات