عنوان القصيدة : خروج من الحب..دخول إلى الحب

للشاعر :إبراهيم محمد إبراهيم
القسم : الإمارات
تستطيع مشاهدة القصيدة في موقعنا على العنوان التالي :
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=7130


أرفعُ الآنَ رأسي قليلاً من الحبّ
ماذا أرى .... ؟
صوتُها يتسلّلُ مُرتعشاً
في عُروقِ المطاراتِ
يلهثُ مثلَ خُطايَ ..
ممرّاتُ هذا الرحيلِ طِوالٌ
وصبري قليلْ.
مرّ يومٌ
وليلُ الغريبِ غريبٌ
على مقعدِ الطائرةْ.
خِلتُ هذا النّفيرَ القيامةَ ..
من أينَ جاؤوا ؟
إلى أينَ يتّجهونَ ؟
وكيفَ أنامُ على غيمةٍ
كُنتُ أحلمُ ألا أكونَ وحيداً بها ..؟
كيف غطَّ الجميعُ بسابِعِ نومتِهِمْ،
وأنا أتعثّرُ في أوّلِ الصّحوِ ؟
هل كان صحواً من الحُبِّ،
أم غيبةً في السّهادْ ؟
أرفعُ الآن رأسي من الحُبّ
يا أيّها الشوقُ لا تختبِرني ..
وكُن لي كما كُنتُ دوماً معكْ.
ليلةٌ في السماءِ
وثانيةٌ تطرقُ الآنَ بابي ..
تُلوّنُ شُرفةَ هذا المكانِ
بأخضرِها المُتطرّفِ حدّ السّواد.
***
أصبحَ المُلكُ للّهِ
طقسٌ تعذّرَ فيهِ صباحُكِ
لا شيءَ ممّا تعوّدتُ
يطرُدُ عنّي النّعاسَ
ويُلهِبُ فِيّ الحماسَ
ليومٍ جديدٍ.
ولا شيءَ مثلُ:
صباحُ الطّيورِ
صباحُ النّخيلِ
صباحُ المحبّةِ
لا شيءَ يُشبِهُ تلك الصباحاتِ
لا شيءَ يُشبِهُني في البلادِ الغريبةِ
لا شيءَ منكِ
ولا شيءَ مِنّي ..
***
سنذهبُ بعد قليلٍ إلى البحرِ
سائقُنا يتأهّبُ
والأهلُ ينتظرونَ الإشارةَ
قال هلُمّوا .. فقمنا ..
ركِبنا
وساق بِنا في الطريقِ الطويلِ.. وصلنا
تحرّكَ قاربُنا .. وتبسّمَ كُلٌّ على قدْرِ فرحتِهِ
ثُمّ عُدنا ..
***
ليلةٌ ثالثة
هاهي الشّرفةُ المُشرئبّةُ في غابةِ الصّمتِ
تنتظِرُ الشّعرَ
تُرخي جديلتَها،
كي أُمرجِحَ بعضَ الحُروفِ العصيّةِ
ترفعُ عن مُقلتَيّ الحِجابَ
وترفعُني قاب قوسٍ من الحُبِّ
ماذا أرى .. ؟
إنّكِ الآنَ تنسلخينَ من الليلِ عاريةً
كصِغارِ الفراشاتِ،
رِجلاكِ لا تحمِلانِكِ
عيناكِ مُغمَضَتانِ عليَّ
وقلبي عليكِ
أراكِ تغُصّينَ بالبُعدِ مِثلي ..
وتأتنِسينَ بِبعضِ النّثارِ من الذّكرياتْ.
***
أصبحَ المُلكُ للّهِ
ها أنا ذا أترُكُ الآنَ غُرفتيَ البارِدةْ.
بعدَ نومٍ تسرّبَ منهُ الكلامُ الجميلُ
فصارَ بلا نكهةٍ ..
ها أنا أُغلِقُ البابَ خلفي
وأمضي ..
هُنالِكَ في مطعمِ الغُرباءِ
جلستُ وحيداً،
أكلتُ كما يأكُلُ الناسُ
ثُمّ خرجتُ بِجوعي ..
***
ليلةٌ رابعة
مُنهكينَ كعادتِنا بعد ظُهرٍ طويلٍ
من السّيرِ فوقَ الجبالِ
وتحت الجبالِ التي تمخُرُ الأُفقَ
يجتاحُنا الغيمُ، ثُمّ يذوبُ كأنْ لم يكُن قطُّ شيئاً ..
القُرودُ البذيئةُ، تملأُ أشجارَ هذا المكانِ الوديعْ.
القُرودُ البذيئةُ، تعرِفُ، أنّ الضُّيوفَ سينبهرونَ
بتلكَ البذاءاتِ، إلاّ أنا ..
***
شُرفتي تنتظِرْ
والسماءُ التي تتلثّمُ بالغيمِ
تكشِفُ عن حُسنِها ..
النجومُ البعيداتُ ترقُصُ
والغابةُ المُستكينةُ للصمتِ، تهتَزُّ
تُرسِلُ أغصانَها في الهواءِ
وتحني الرّؤوسَ قليلاً،
كما تفعلُ الفارِسيّاتُ في حفلةِ العُرسِ
ماذا أرى ..؟
جوقةٌ من طيورِ المساءِ
على غيرِ عادتها لا تنامْ.
تُوشوِشُ عقرَبَ مُنتَصَفِ الليلِ
ألاّ يُغادِرَ موضِعَهُ ..
من تُراهُ الذي أوهَمَ الكونَ
أنّكِ سوفَ تزورينني في المساءْ ؟
***
لا كلامَ إذا حضرَ الشّعرُ
يا أيّها الطّيرُ نمْ
أنت من هذه الغابةِ الأعجميّةِ
صوتُكَ ليسَ يروقُ لِمثلي ..
أنا لستُ أفهَمُ لغوَ الطّيورِ بِغيرِ بلادي،
وعُصفورتي العربيّةُ
تشتاقُ مثلي إلى قفصِ الياسمينْ.
أنت حُرٌّ بهذا الفضاءِ الفسيحِ،
وحُرّيتي في فضائكِ،
هذا الحنينْ.
***
أصبحَ المُلكُ للّهِ
بحرُكِ يا (صقرُ مرْمرَ) ظهرُ الرّواحِلِ
دربُ الفراديسِ
عُرسُ الّلقاءاتِ
نارُ المشوقينَ
قهقهةُ الغافلينَ
ودمعُ الغريبْ.
بحرُكِ يا (صقرُ مرْمرَ) كُلُّ المسرّاتِ
كُلُّ النّحيبْ.
من هُنا يعبُرُ الجُرحُ أندى
وصوتُ المُنادي إلى القلبِ أهدى
وأجدى الأمورِ بهذا التداخُلِ،
ألا تُعلِّمَ نفسَكَ ما هو أجدى ..
***
أنا الآن في مسقطِ الماءِ
لا شيءَ غيرُ المياهِ تمُرُّ عليَّ
بِأسرارِها في الصّخورِ،
وليسَ سوايَ يُحدّثُهُ الماءُ
في هذه اللحظةِ المُشتهاةِ
عن الحُبّ وجهاً لوجهٍ ..
يقولُ الكثيرَ،
وأسمعُ أكثرَ ممّا يقولْ.
أقولُ الكثيرَ،
ويترُكُني أتحدّثُ عنكِ ويمضي ..
أقولُ وأُنصِتُ
وهو يقولُ ويمضي ..
تُطِلُّ السماءُ عليّ بِكُلّ حياءٍ بزُرقتِها
كُلّما هبّت الرّيحُ
واستحدثَتْ فُرجةً بعدَ أُخرى
بهذا الخضارِ الكثيفِ،
وتُغضي، إذا نامت الرّيحُ
والْتَمَّ شملُ الشّجرْ.
رُويدكِ أيّتُها الرّيحُ،
لا تهدئي ..
إنّ مجنونتي لا تُحِبُّ السّكونَ
وروحيَ مجنونةٌ لا تُحِبُّ السّكونْ.
تسألُ الرّيحُ:
مجنونتي من تكونُ
وأسألُها، قبلَ أن أتأبّطَ زُوّادتي:
بل أنا من أكونْ ؟
***
ليلةٌ خامسة
ليس ثَمَّ جديدٌ يُقالُ،
سِوى ما أُواريهِ خلفَ ضلوعي
وما أشتهي أن أبوحَ بهِ ..
كُلّما تمتمَ الطّفلُ في داخِلي،
خِفتُ أنْ يستفيضَ .. فأُخرِسُهُ ..
لمْ يحِنْ بعدُ وقتُ الصّغارِ
لِكي يُفصِحوا ..
فالكِبارُ كعادتِهِمْ،
يبدؤونَ الكلامَ ولا ينتهونْ.
كُلّما قُلتُ: صَهْ
للصغير الذي يتوارى بقلبي،
كي يستمِرّ الكبارُ بِلَغوِ الحديثِ .. احترَقْتُ ..
إلامَ سأزدَرِدِ الأبجديّةَ
في حضْرةِ الرّاشِدينَ،
وأعلمُ أن الصّغارَ
بهذي القُلوبِ الشّفيفةِ
لا يكبُرونْ .. ؟
ليس ثَمّ جديدٌ يُقالُ،
سِوى أنني لن أقولْ.
ليس ثَمّ جديدٌ،
سوى أن شمسَكِ بازِغةٌ
رغمَ هذا الأُفولْ.
أما قُلتِ: أنّا سنبقى صِغاراً ..
وقُلتُ: أجلْ سوف نبقى صِغاراً ..
إذنْ
ليس ثَمّ جديدٌ يُقالُ،
وليس لنا أنْ نقولْ.
***
أصبحَ المُلْكُ للّهِ
جودي عليّ بشيءٍ من الحُبِّ ..
علّ العُروقَ تفيضُ
بنورِ البِشاراتِ،
أورِدتي لا تُطيقُ احتِباسَ السّماءِ
ليومينِ ..
فلتُرسِلي بعضَ مائِكِ،
ذاك الذي أحتسيهِ على الرّيقِ
كُلّ صباحٍ،
وقولي: أُحِبّكَ ..
هل جفَّ نبعُكِ !
أم أنّ هذي الجبالَ
تصُدُّ الرّياحَ الّلواقِحَ عنّي .. ؟
***
أُغالِبُ ظنّي
وأُبعِدُ عنكِ قليلاً
لأُدنيكِ مِنّي ..
وأرفعُ رأسي من الحُبِّ
علّي أراكِ إزائِيَ ترتفِعينَ
لِنُشعِلَ خارِجَ هذا الهُيامِ هُياما
ونبعثَ في صمتِنا،
من هشيمِ الكلامِ كلاما ..
أنا العُشبُ،
يصفرُّ
كيْ يستفِزَّ كوامِنَ جذوتِهِ
في ربيعِكِ
فلتهنئي يا خُزامى ..
أنا العُشبُ،
تكفيهِ زخّةُ حُبٍّ ليخْضَرَّ
تكفيهِ نسمةُ صيفٍ لِيصْفَرَّ
يكفيهِ مِنْكِ القليلْ.
***
أنا العُشبُ،
لا تنتهي دورةُ العُشبِ
يحيى، ليحيى
يموتُ، ليحيى
أنا المُستحيلْ.
***
أُخفِضُ الآنَ رأسي قليلاً ..
اُفتّشُ في سلّةِ العُمرِ
ماذا أرى .. ؟
قصائدَ تلكَ الليالي الطّوالَ،
روائعَ فيروزَ،
وقْعَ الدّموعِ على ورقِ الذّكرياتِ،
صدى الضّحِكاتِ،
الجُنونَ،
ارتِعاشاتِها في اللقاءِ المُفاجىءِ،
قهوتَها السُّكّرِيةَ،
وقفتَها خلفَ بابي بلا موعِدٍ ..،
صوتَها .. افتَحِ الباب ..،
فرحتَنا باكتِمالِ القَمَرْ.
سلّةُ العُمرِ،
عمرٌ من السّردِ لا يُختَصَرْ.
***
نمسحُ الأرضَ في ساعتينِ
ونسكُنُ بيتاً من الغيمِ
نشربُ فيهِ مع النّجمِ شايَ المساءْ.
ونهبِطُ دونَ عناءٍ
إلى كهفِنا المخملِيِّ
على شعرةٍ من جديلةِ شمسِ الشّتاءْ.
أُخرجُ الآنَ رأسِيَ من سلّةِ العُمرِ،
ماذا أرى ..؟
كُلُّ شيءٍ يُرَدّدُ:
أجملُ ما في النّساءِ الرّجالُ
وأجملُ ما في الرّجالِ النّساءْ.
***
ليلةٌ سادسةْ
حَضّري الشايَ ياابْنةَ عَمّي ..
وصبّيهِ حتى أفيض كلاماً
على الغابةِ الصّامِتةْ.
حضّريهِ
فطعمُ الوداعِ مع الشّايِ
لونٌ من الوَلَهِ المُتعاظِمِ،
يحلو
إذا ما تآخى على البَوحِ مُرّانِ
واستَرشِدي بالشّفيفِ من الحُزنِ
قبلَ الشُّروعِ بِصُنعِ المَرارِ
لكيلا يُداخِلَ طقسَ المساءِ غريبٌ ..
سلامٌ على الكائناتِ الوديعةِ
والشّجرِ المُتسابِقِ نحوَ السّماءْ.
سلامٌ على (صقرِ مَرْمَرَ)
قبلَ الّلقاءِ وبعدَ الّلقاءْ.
سلامٌ على أهلِها الأوفِياءْ.
حضِّري الشايَ
ثُمَّ تَباكَيْ قليلاً ..
إذا عزّ في مُقلتيكِ البُكاءْ.
ها هو الليلُ يخلعُ مِعطَفهُ المأتَمِيَّ
على رِسلِهِ .. للوداعِ
فصُبّي لنا
ما تبقّى من الشايِ
حتى نُبَعثِرَ في غابةِ الصّمتِ
بعضَ التّعاويذِ
أو ما تبقّى بأفواهِنا
من كلامْ.
***
أصبحَ المُلْكُ للّهْ
رِحلةٌ بعد أُخرى
متى يبلُغُ الطّيرُ غايتهُ ..!
كُلّما حلَّ غُصْناً،
وذابَ بِهِ
دُقَّ ناقوسُ هِجرتِهِ ..
الحقائِبُ مُنْهكةٌ،
الجوازاتُ تمقُتُ فركَ الأصابِعِ،
والجيبُ مُمْتلىءٌ بالقُصاصاتِ ..،
أحذيةُ السّائحينَ بِكُلّ المطاراتِ،
تجتاحُ رأسَكَ حينَ تنامْ.
إلامَ نُبَعثِرُ أعمارَنا
كالمجانينِ
نبحثُ عن فُسحةٍ للهُدوءِ
بهذا الزّحامْ ؟!
إلامَ نُودّعُ أحبابَنا
ضاحِكينَ ..
على عَتَباتِ الغِيابِ
ونبكي .. ؟!
إلامَ نُزاحِمُ كُلَّ العِبادِ بأوطانِهِمْ
ثُمّ نلعَنُهُمْ .. ؟!
رِحلةٌ بعدَ أُخرى،
وما جَفَّ ماءُ الجِباهِ
لِيَنضَحَ ثانِيةً ..
دورةٌ في الفراغِ
ودائرةٌ لا تُحَلُّ ..
***
تحتَ بُرجينِ
يتّخِذانِ من الغيمِ كوفِيّةً،
أتَرجّلُ في حذرٍ ..
حاسِرَ الرّأسِ
كي لا تفوحَ البداوةُ
في طُرُقاتِ المدينةِ،
أو تقتفي أثري في الظّلامِ
كِلابُ المساءْ.
تحتَ بُرجينِ
تبدو العِماراتُ تحتَهُما كالذُّبابِ ..
رأيتُ نخيلَ بلادي،
عمائِمَ خُضراً
تُطَوِّقُ هاماتِ أهلِ السّماءْ.
تحتَ بُرجينِ
تنبعِثُ العربِيّةُ بُرجَ كلامٍ،
توشَّحَ بالشّمسِ
ليس تُرى في الفضاءِ نِهاياتُهُ ..
وترى تحتهُ حبّتينِ من الرّمْلِ
يُحكى بِأنّهُما
كانتا قبلَ حينٍ من الوقتِ،
أطوَلَ بُرجينِ
تبدو الأساطيرُ تحتهُما كالذُّبابْ.
***
أصبحَ المُلْكُ للّهْ
صالةُ المندرينِ
رُكامٌ من الصّمتِ
خلّفهُ الصّخَبُ الأنثوِيُّ
وقهقهةُ الوقحينَ الدّميمةُ
ليلةَ أمسْ.
أبحثُ الآنَ عن مقعدٍ
طيّبِ الذِّكْرِ فيها ..
بِرُكنٍ يليقُ بِأُبّهةِ الشِّعرِ
تبدو عليهِ سِماتُ الوقارِ
ورُوّادُهُ صفوةُ الخلقِ
أبحثُ ..
لا شيءَ يُنبىءُ أنّي سأقترِفُ الشّعرَ
هذا الصّباحْ.
المقاعِدُ ذابِلةٌ
تتثاءبُ
والطاوِلاتُ مُلبّدةٌ بالنُّعاسِ.
ولم تبقَ بارِقةٌ ها هُنا
تستفِزُّ الكلامَ المُباحَ
وغيرَ المُباحْ.
أحتسي القهوةَ الأعجمِيةَ
في أيِّ رُكنٍ إذنْ ..
دون شَرْطٍ
على ذوقِ نادِلةِ المندرينِ
لكيلا أكونَ ثقيلاً على قلبِها
ثُمّ أمضي خفيفاً
بأوراقِيَ البيضِ
أملأُ رأسي بِلغوِ الجرائدِ
كالناسِ
ثُمّ أنامْ.
***
ليلةٌ ثانيةْ
صالةُ المندرينِ
كعادتِها في الليالي المطيرةِ
مُفْعمةٌ بالنشاطِ
وعامِرةٌ بالخفافيشِ
تبدو مقاعِدُها المخملِيّةُ
والطاوِلاتُ الرّخامُ
بِكامِلِ جذوتِها ..
فهي في الليلِ تصحو بأوّلِ نفخةِ بوقٍ
وتغفو إذا ما تَلَفّظَ عازِفُهُ
عندما تُشرقُ الشّمسُ
آخِرَ أنفاسِهِ ..
إنّها صالةُ المندرينْ.
***
أصبحَ المُلكُ للّهْ
النّدى في زُجاجُ النّوافِذِ
ما عاد يأخُذُني لبعيدٍ ..
وما عاد يُربِكُني
حينَ تشربُهُ الشّمسُ
أو يتهاوى على الرّملِ
شيئاً فشيئاً ..
النّدى وزُجاجُ النّوافِذِ
ليس سوى رُقعٍ من زُجاجٍ
بهذا الجِدارِ
مُبَلّلةٍ بالنّدى ..
ظاهرُ الأمرِ أولى بهذا المقامِ
وكمْ سأغوصُ لأبلُغَ سِرّكِ في كُلِّ شيءٍ .. ؟
سأجعلُ كُلَّ الأمورِ تمُرُّ
سأجعلُ قلبي يمُرُّ عليها مُرورَ الكِرامِ
ولن أتساءَلَ قَطُّ:
لماذا ؟
وكيفَ ؟
وكمْ ؟
ولن أجعلَ العَقْلَ فيكِ
إذا ما استحالَ الجوابُ عليَّ
الحَكَمْ.
يُخطىءُ العقلُ في حُكمِهِ
عندما تتعاظَمُ أسئِلةُ القلبِ ..
والقلبُ بوصلةُ المُستريبِ
وإن صدَقَ العقلُ فيما حَكَمْ.
آيتي في هواكِ إذا ما رَحَلتُ،
حُضورُكِ في كُلِّ شيءٍ أراهُ
وغوصي بِما لا أراهُ ..
آيتي
أنني لا أعيشُ العَدَمْ.
***
ليلةٌ ثالثةْ
النّوى
والنّوايا البريئةُ في خاطِري
والنّواميسُ في أوّلِ الليلِ،
تورِقُ بالشوقِ
تُزهِرُ بالذّكرياتْ.
أرتمي
كالقتيلِ المُنعّمِ بالموتِ
في مقعدٍ تتوالى عليهِ الوُجوهُ الصّديقةُ
والبائسونَ من الدّولِ العربيّةِ
وابنُ السبيلْ.
ليس من قِلّةٍ في المقاهي
تخيّرتُ هذا المكانَ
ولا في النُّقودِ ..
ولكنْ
لكثرةِ ما فيهِ من عاشِقينَ
تميلُ رؤوسُهُمُ صوبَ بعضٍ ..
فمِلتُ
كما كُلُّ هذي الرّؤوسُ تميلْ.
أوّلُ الليلِ
في هذه البلدِ المُستحِمّةِ
بالمطَرِ الموسِمِيِّ وبالعِشقِ
يبدأُ بعدَ الظّهيرةِ ..
والشّمسُ لمّا تمِلْ بعدُ نحوَ الغُروبْ.
عُذرُهُمْ في استِباقِ الظّلامِ
انحِناءُ الرّبيعِ المُقيمِ بِخُضرتهِ حولهُمْ
والسّماءُ الحَلوبْ.
أشتهيكِ معي الآنَ جالِسةً
تحتسينَ بقايا النّهارِ
وقِسطاً من الليلِ
نهوي على بعضِنا مثلَهُمْ
كالشُّموعِ المُضاءةِ
حتى نذوبْ.
أشتهيكِ معي
تركُضينَ على العُشبِ حافِيةً
والسّماءُ ترُشُّ علينا خُلاصةَ نشوتِها
ثُمّ نأوي إذا هبّتِ الرّيحُ
مِثلَ الحمامِ
إلى صَدرِ جذعٍ
يقينا الهواءَ المُشاكِسَ
حتى نَجِفّ ..
ونعدو ..
وَنبْتَلُّ
ثُمّ نَجِفُّ .. ونعدو ..
ونَبتَلُّ
ثُمّ نَجِفُّ .. ونعدو ..
***
أترُكُ الآنَ مقهى الأحِبّةِ للعاشِقينَ
بِكُلِّ هُدوءٍ
وأنسَلُّ مثلَ النّسيمِ
كأنْ لمْ أكُنْ بينَهُمْ ساعتينِ
كأنْ لمْ يكونوا معي في القصيدةِ
أترُكُهُمْ يحتفونَ بِليلتِهِمْ.
أستحِثُّ خُطايَ
لأستقبِلَ الليلَ في صالة المندرينْ.
ها هي الأجودِيّةُ (بنتُ الأجاويدِ)
أو شيخةُ النّادِلاتِ .. مُنى
تستَهِلُّ اللقاءَ بِأحلى التراحيبِ
ثُمّ تقولُ: تَفَضّلْ ..
مكانُكَ لمّا يزلْ بانتِظارِكَ مُنذُ خَرَجْتَ
جَلَسْتُ
ونِصفيَ يجثو بِمقهى الأحِبّةِ
ما كُنتُ أعلمُ أنّ لذاكَ المكانِ حبائِلُهُ
كيفَ أستقبِلُ الليلَ مُنتشِياً ها هُنا بالوُرودِ
وقلبي الشّغوفُ بهمسِ المساءِ
على غيرِ عادتِهِ
بينَ بينْ !
أرقُبُ الشّمسَ من خلفِ هذا الزّجاجِ
تُدَلّي جدائِلَها الذّهبيّةَ فوقَ الجِبالِ
وتَغمِزُ للقمَرِ المُتثاقِلِ
أنْ جاءَ دورُكَ ..
يا أيّها القمَرُ المُتثاقِلُ
مُنذُ أتيتُ إلى هذه الأرضِ
ضيّعتُ أيّاميَ القمريّةَ
في سيحِنا القَمَرِيِّ هُناكَ ..
فهلْ سوفَ تظهرُ مُكتمِلاً،
أم ستودِعُ نِصفَكَ في شارِعٍ
تتداعى إليهِ طُيورُ الجِنانِ
وتأتي بقلبٍ كقلبي
على قلقٍ
بينَ بينْ ؟
***
أصبح المُلكُ للّهِ
هل لي بشيءٍ من القهوةِ العربيّةِ ؟
- ليس هنا قهوةٌ غير تلكَ التي تحتسيها لدينا صباحَ مساءْ.
لكنني عربيُّ الهوى والمِزاجِ
فهل سأصومُ على غُربتي
ما تبقّى من الوقتِ حتى أعودْ ؟
- لستُ أدري .. فذلك شأنُكَ يا سيّدي.
لن أُطيلَ عليكِ
فبوصلتي اليومَ واقِفةٌ
لا تحيدُ عن النّخلِ
إن كان لا بُدّ ممّا يُراقُ
على ظمأِ الصُّبحِ
صُبّي لضيفِكِ ما تشتهينْ.
سأشربُ هذا الصّباحَ وأمري للّهِ
حسبَ مِزاجِكِ ..
لا تغضبي
ما قصدتُ الإهانةَ يا عبقَ النّادِلاتِ
فمُنذُ وُلِدنا ونحنُ نعيشُ
على رغْبةِ الآخرين.
ما تغيّرَ في الأمرِ شيءٌ على الكونِ
ولتغفِري زلّتي يا مُضيفةُ
إن كُنتُ بالغْتُ في نزقي (حبّتينْ).
سوفَ أكسِرُ بوصلتي
وأصومُ على غُربتي ما حييتُ
وأقلِبُ صفحتِيَ العربيّةَ
من أجلِ كُلِّ العُيونِ
فصُبّي لضيفِكِ ما تشتهينْ.
***
ليلةٌ رابِعةْ
مُطفأٌ
كالسِّراجِ الذي نامَ أصحابُهُ ..
وهو صاحٍ
ولكنّهُ مُطفأٌ
لا فراشةَ تهفو إليهِ
ولا تتسلّلُ نحو فتيلتِهِ
-قبل أن تسلُبَ الشمسُ حِكمتَهُ في الصباحِ-
أنامِلُ سيّدةٍ تتهجّى كتابَ الصباباتِ
حينَ يلوحُ الظّلامْ.
مُطفأٌ
ليس يُطفِؤهُ أحدٌ
إنّما مُطفأٌ
ليس يوقِظُهُ أحدٌ
إنّهُ لا ينامْ.
نامَ أصحابُهُ
فاستقَرّ على سُدّةِ الصّمتِ
مُحترِقاً بانطِفاءاتِهِ ..
ليس يقوى عليهِ الكلامْ.
سارِحٌ
تحتسيهِ الدّقائقُ
تِلوَ الدقائقِ
مُنتبِهٌ
يحتسي الكونَ
عارٍ
كجِذعِ الخريفِ من الأصدقاءِ
ومُحتشِدٌ بِغِيابِ الأحِبّةِ ..
مُقتَرِفٌ للبِداياتِ
مُنجرِفٌ بالنّهاياتِ
مُعتَرِفٌ بالخطايا
ولكنّهُ .. مُطفأٌ ..
***
أصبحَ المُلكُ للّهْ
غيمةٌ بعد أخرى
تُبلّلُ أيامَكِ اليانِعاتِ بِقلبي ..
غيمةٌ تسْتحِثُّ خُطايَ إليكِ
وأُخرى تجُرُّكِ نحوي
وثالِثةٌ تتشكّلُ في غفلةِ الرّيحِ
كوخاً صغيراً
لِطِفلينِ لا يكبَرانْ.
تفيقُ الأساطيرُ والمُعجِزاتُ
على بابِهِ
وينامُ الزّمانْ.
غيمةٌ بعد أُخرى
بهذي الجِنانِ
وتحتَ السّماءِ بِشِبرٍ
وما زال بينَ شِفاهي
غُبارُ جِبالِكِ،
والعَطَشُ الأَزَلِيُّ،
وما قالهُ في هواكِ،
وما لم يقُلْهُ اللّسانْ.
غيمةٌ
أتشهّى بِها جمرةَ الصّيفِ
يومَ التقينا بِعِزّ الظّهيرةِ
نهرينِ من وَلَهٍ
يسكُبانِ على الرّملِ نجواهُما
كالرّحيقِ
فما ارتوتِ الأرضُ
من عسلِ البَوْحِ بينَ الشّعابِ
وما نضُبَ الرّافِدانْ.
غيمةٌ
ثُمّ أغفو ..
وأحمِلُ شوقي لِيومِ لِقائِكِ
كوخاً صغيراً
من الغيمِ،
يسكُنُهُ
حيثُما يمّمَ العاشِقانْ.
***
ليلةٌ خامِسةْ
اوصلُ الليلَ بالليلِ
علّي أرى نجمها
حين تصحو السّماءُ،
فأنثُرُ في وجهِهِ
بعضَ ما خبّأ القلبُ من ياسمينْ.
اوصِلُ الليلَ بالليلِ
علّي أزِفُّ دقائِقَ هذا الظلامِ الشّهِيِّ
إلى خيمةِ الرّوحِ .. زوجينِ زوجينِ
ثُمّ أُحوّطُها بالبخورِ المسائيِّ والشّعرِ
حتى تلينْ.
خيمةُ الرّوحِ
تكبر وحشتُها في الغِيابِ
كما يكبَرُ الظّلُّ عند الغُروبِ
فتأوي إليها كِلابُ الفراغِ الّلعينْ.
اوصِلُ الليلَ بالليلِ
مُنحدِراً بالصّعودِ
إلى ذُروةِ البَوْحِ
كيما أبدّدُ
في ثلجِ هذي الدّفاتِرِ
نارَ الحنينْ.
اوصِلُ الليلَ بالليلِ
عِقدَ حُروفٍ
تخلّلَهُ خَرَزُ الصّمتِ
في خيطِ نيزَكةٍ
لا تلوحُ لِغيري ..
تخيطُ انطفاءاتِ قلبي بِجمرتِها
كُلّما بانَ فَتقٌ ..
وتَغزِلُني
كُلّما بعثَرَ الشّوقُ أجنِحتي
في الفراغْ.
اوصِلُ الليلَ بالليلِ
لكنّ نجمتها تتحجّجُ بالغيمِ
والياسمينُ بِقَبضَةِ قلبي
سيغرَقُ في عرَقِ الصّبرِ ..
يا ليلُ
هل لي بِساعةِ صَحْوٍ
تُحرّضُ أشرِعتي،
قبلَ أن تتمادى نُجيمتُها في التّدلُّلِ
أو ينفَدَ الصّبرُ ..
أو يذبُلَ الياسمينْ ؟
***
أصبَحَ المُلْكُ للّْهْ
طَعمُ روحِكِ
هذا الصّباحَ يُراوِدُني ..
النّسيمُ أرَقُّ
الشّوارِعُ أبهى
النّساءُ يُمازِحنَ في مَرَحٍ
كُلَّ ذي نَفَسٍ يَتَحَرّكُ ..
حتى الكِلابْ.
الغُيومُ تُراقِصُ سِرْبَ النُّسورِ
الخليجُ المُحافِظُ
يبدو على غيرِ عادتِهِ
في البلادِ الغريبةِ
مُنفتِحاً
تتغشّاهُ روحُ التّمَدُّنِ ..
الصّاعِدونَ إلى غُرفِ النّومِ
والنّازِلونَ إلى الرُّدُهاتِ
يبُثّونَ أحلى التحايا إلى بعضِهِمْ.
نادِلاتُ المطاعِمِ
مثلُ الفراشِ المُحَلّقِ
لا يشتهينَ السُّكونَ
المقاعِدُ تبدو مسالِمةً
كالحَمامِ
ومُشتاقةً للجُلوس عليها ..
النوافِذُ تنشُرُ بسمَتها
بالخَضارِ وبالنّورِ
في أوجُهِ الزّائرينْ.
قهقهاتُ الصُّحونِ على الطّاوِلاتِ
ابتِسامُ الأباريقِ
قَرْعُ الكُعوبِ الرّتيبُ
على مَرْمَرِ الطُّرُقاتْ.
طعْمُ روحِكِ هذا الصّباحَ
تَغَلْغَلَ في كُلِّ شيءٍ ..
فصِرْتُ أغارُ على كُلِّ شيءٍ
بهذي التّفاصيلِ
من كُلِّ شيءٍ ..
وصِرْتُ أخافُ
على كُلِّ شيءٍ
ومن كُلِّ شيءٍ عليكِ ..
وصِرتُ بهذا الصّباحِ
المليءِ بِروحِكِ
من أجملِ الكائناتْ.
***
ليلةٌ سادسةْ
عقربُ الوقتِ يلسعُني ..
كُلّما مرّ يومٌ يُذكّرُني
باقتِرابِ الرُّجوعْ.
عقربُ الوقتِ
موتٌ من العَطَشِ المُتنامي إليكِ
ومَوْكِبُ جوعْ.
كُلّما مرّ يومٌ
وقُلتُ أراكِ غداً ..
غصّ يومٌ
بهذا السبيلِ المنوعْ.
عقربُ الوقتِ
يأخُذُني ضاحِكاً
ويقولُ: ابتسِمْ للحياةِ
وما قادني ذات يومٍ
إلى بابِكِ المُتباعدِ
هذا التّبَسُّمُ،
حين أُطاوِعُهُ ..
فلْتَقُدْني إليكِ الدُّموعْ.
ليلةٌ
وأقولٌ: غداً ..
ليلتانِ
وأُصبِحُ بينَ جناحيكِ
ثالِثةٌ
وأقولُ: لقد كُنتُ ..
لكنَّ هذي الليالي الطّوالَ
طِوالٌ عليَّ ..
وبيني وبينَكِ
هذا المُحيطُ من الوقتِ
مُزدحِمٌ بالدّقائقِ ..
كمْ سأعُدُّ .. ؟
وهل ثَمّ مُتّسَعٌ في الحياةِ
لِهذا الحِسابِ ؟
وهل ثَمَّ قاربُ وصْلٍ
يدُلُّ عليكِ،
ويحمِلُني
غيرُ هذا الخُنوعْ ؟!
***
أصبحَ المُلْكُ للّهْ
السّماءُ التي أخرجتني من الحُبِّ
طِفلاً يحِنُّ إلى أمِّهِ،
تتلطّفُ
باسِطةً وجهَها ويديها إليَّ ..
لِتحمِلَني،
واهِنَ القدمينِ
إلى صدر جورِيّةٍ
تَشْرَئِبُّ إلى جنّتي ..
خِلْتُ أنّ السّماءَ ستنسى الغريبَ
على ساحِلِ السّهْوِ،
مُنتَظِراً ما تبقّى من العُمرِ ..
لكنّها،
أنجَزَتْ وعْدَها.
السماءُ تُعيدُ الغريبَ
وقد طهرَتْهُ بِنارِ التّلهُّفِ
واسْتأْمَنَتْهُ على سِرِّها ..
أصبَحَ اليومَ
أهدى
وأندى
طهوراً
كيومِ ارتوى من نداكِ
بَهِيّاً
كيومِ خَرَجْتِ مُبَلّلَةً من نداهُ
شفيفاً
كساعةِ قال: أُحِبُّكِ ..
رَحْباً
كما تتهادى الوُرودُ
على شفتيهِ إليكِ
ولا تنتهي ..
عارِياً من سِواكِ
مليئاً بِفيضِكِ
أسْئلةٌ للغريبِ
وأجوِبةٌ للقريبِ
وأُغنِيةٌ للحبيبْ.
أُدخِلُ الآنَ رأسي إلى الحبِّ
ماذا أرى .. !
***
ليلةٌ سابِعةْ
كُلُّ شيءٍ كما كانَ
إلاّ أنا ..
لوحةٌ ذاتُ وجهينِ
شطرٌ هُناكَ
وشطرٌ هُنا
بين ماضٍ أكادُ أُعانِقَهُ
مثلما كُنتُ قبلَ الوداعِ
وحاضِرِ حالٍ سيمضي قريبا ..
عابِرا مثلما جاءَ
ما كانَ يوماً عدُوّاً
وما كان يوماً حبيبا.
لوحةٌ ذاتُ وجهينِ
مثلَ الخصيمينِ يومَ التّقاضي
تدابَرَتا ..
ليس يرجو الخصيمُ المُدابِرُ
من وجهِ ذاكَ الخصيمِ نصيبا.
كُلُّ شيءٍ كما كانَ
إلاّ الطّيوبُ التي تتحرّى اللقاءَ المُؤَجَّلَ
بينَ جناحيكِ
تزدادُ طيبا.
ليلةٌ
ثُمّ أغفو على شَهْدِ روحِكِ
حينَ تنامينَ
بينَ عناقيدِ روحي
ويغفو بِنا الليلُ
مُسْتَشْفِياً
وطبيبا.
بعدما تتوالى الدّقائقُ
كالحُلمِ ما بيننا ..
ونُبَعْثِرُها كالمجانينِ
شِعراً
وثرثرةً
ونحيبا.
كُلُّ شيءٍ كما كانَ
إلاّ السّبيلُ الذي كاد ينسَدُّ دونَكِ
أمسى رحيبا.


  إطبعها الآن

الرابط الصوتي للقصيدة : لايوجد

مع تحيات موقع : أدب
www.adab.com