عنوان القصيدة : بين ليل و فجر

للشاعر :عبدالله البردوني
القسم : اليمن
تستطيع مشاهدة القصيدة في موقعنا على العنوان التالي :
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=67529


في هجعة اللّيل المخيف الشاتي و اجوذ يحلم بالصباح الآتي
و الريح كالمحموم تهذي و الدجى في الأفق أشباح من الإنصات
و الشهب أحلام معلّقة على أهداب تمثال من الظلمات
و الطيف يخبط في السكينة مثلما تتخبّط الأوهام في الشبهات
والظلمة الخرسا تلعثم بالرؤى كتلعثم المخنوق بالكلمات
*** -
في ذلك اللّيل المخيف مضى فتى قلق الثياب مروّع الخطوات
يمشي و ينظر خلفه و أمامه نظر الجبان إلى المغير العاتي
و يرى الحتوف إذا تلفّت أو رنا و يحسّ أصداء بلا أصوات
و يعود بسأل نفسه ما خيفتي ؟ ماذا أحسّ ؟ و أين أين ثباتي ؟
ماذا يخوّفني أنا رجل السرى ؟ و أنا رفيق اللّيل و الفلوات
هل ليلتي غير اللّيالي ؟ أم أنا غيري … أكاد الآن أنكر ذاتي
أين الصباح و أين منّي قريتي ؟ و الرعب قدّماي و في لفتاتي
*** -
و هنا تراءت للمروّع عصبة كالذعر شيطانيّة اللّمحات
شعث كأهل إلاّ أنّ في نظراتهم همجيّة الشهوات
و تقلّبت مقل العصابة في الفتى و كأنّها تشويه بالنظرات
و تخيّلت " كيس النقود " فأبرقت رغباتها في الأعين الشرهات
و تململت فيها الشراسة مثلما يتململ الزلزال في الهضاب
و التاع فيها الشرّ فاهالت على ذاك الفتى بالضرب و الطّعنات
فاستلّ خنجره و كسّر وحده و حشيّة الوثبات بالوثبات
و تلفّتت تلك العصابة حولها فرأت بعين الوهم ظلّ سراه
*** -
و هناك لاذت بالفرار و أدبرت ملعونه الروحات و الغدوات
و عدت يصادم بعضها بعضا كما تتصادم الآلات بالآلات
و جثا الفتى بين الجراح كمدنف يستنجد العوّاد بالزفرات
و تلكأت عند التوجّع روحه بين الممات و بين نصف حياة
وامتدّ في حضن الطريق وداؤه حيّ وصفرته من الأموات
و تداعت الأوجاع فيه و التظت فيه الجراح الحمر كالجمرات
و إذا تهيّأ للنهوض تثاءبت فيه الجراح تثاؤب الحيّات
و على يمين الدرب كوخ تلتقي في صدره النكبات بالنكبات
بين القصور و بينه ميل و ما أدنى المكان و أبعد الرحمات !
يشكو إلى جيرانه فيصمّهم عنه ضجيج القصف و اللّذّات
كوخ إذا خطرت به ريح الدجى أومى إلى السكان بالرعشات
" سنوات يوسف " عمره وجداره أبدا تنوء بأعجف السنوات
فيه العجوز و بنتها و غلامها يتذكّرون موارد الأقوات
فالحقل جدب ظاميء و سماؤه صحو تلوح كصفحة المرآة
و الأغنياء ، و هل ترقّ قلوبهم ؟ لا ، إنّها أقسى من الصخرات
و تغلغلوا في الصمت فانتبهوا على شبح ينادي الصمت بالأنّات
فإذا فتى قلق الملامح يختفي تحت الجراح الحمر و الخفقات
فمشى ثلاثتهم إليه وانثنوا بالضّيف بين الدمع و الآهات
وروى لهم خبر العصابة أنّها سدّت عليه الدرب بالهجمات
و تهيّجت فيه الجراح فصدّها و تستّرت باللّيل كالحشرات
فدنت فتاة الكوخ تمسح وجهه و تبلسم الأجراح بالدعوات
و تبلّ من دمه يديها إنّها تشمّ فيه أعبق النفحات
و ترى به ما ليس تدري هل ترة سرّ القضا ؟ أم آية الآيات
فإذا الجراح تنام فيه و يشتفي و يردّ عمرا كان وشك فوات
وإزاءه ابنت الجميلة كلّها روح سماويّ و طهر صلاة
يتجاوب الإغراء في كلماتها كتجاوب الأوتار بالنغمات
أغفى الجريح على السكون و أغمضت أجفان من حوليه كفّ سبات
و الكوخ في حرق الأسى مترقّب بشرى ترفّ عليه كالزهرات
*** -
و اللّيل تمثال سجين يرتجي فكّ القيود على يد النحّات
فبدا احمرار في الظلام كأنّه لعنات حقد في وجوه طغاة
و تسلّل السحر البليل على الربى كالحلم بين الصحو و الغفوات
يندى و ينثر في البقاع أريجه و يرشّ درب الفجر بالنّسمات
وصيت على الجبل الشموخ أشعّة مسحورة كطفولة القبلات
فكأنّما الجبل المعمّم بالسنى ملك يهزّ الفجر كالرايات
رفع الجبين إلى العلا فتقبّلت في رأسه الأضواء كالموجات
و تسلّق الأفق البعيد شموخه فترى عمامته من الهالات
و تلألأت فوق السفوح مباسم ورديّة الأنفاس و البسمات
وانصبّ تيّار الشروق كأنّه شعل النبوّة في أكفّ هداه
و غزا الدروب فأجفلت قطّاعها ووجوههم تحمرّ بالصفعات
و تصايحت تلك العصابة ما أرى ؟ هذي الجهات المشرقات عداتي
أين المفرّ ؟ و أين أطلب مهربا ؟ و النور يسطع من جميع جهاتي
كيف القرار ؟ و ليس لي كهف و لا درب فيا لي ! ! يا لسوء مماتي !
و أفاق أهل الكوخ حين ثقوبه تومي إلى الأبصار بالومضات
فدنا ثلاثتهم يرون جريحهم فإذا الفتى في سكرة الفرحات
نفض النعاس وشدّ فيه جراحه و استقبل الدنيا بعزم أباه
ورمى إلى كفّ الغلام و أمّه بعض النقود و دعوة البركات
و صبا إلى كفّ الفتاة و قال : يا " نجوى " خذي نخب الزفاف و هاتي
و طوى الجراح وهبّ يقتاد السنى و يبشر الأكواخ بالخيرات
و يقود تاريخا و ينبت خطوة فجرا ينير مسالك القادات
*** -
فضح الصباح المجرمين فأصبحوا أخبار جرم في فم اللّعنات
و تعالت الأكواخ تنظر أهلها يضعون " غار النصر " في الهامات "
لمس الربيع قلوبهم و حقولهم فاخضوضرت بالبشر و الثمرات
و الجوّ يلقي النور في الدنيا : كما تلقي السيول مناكب الربوات
و الزهر في وهن الشباب مفتّح فوق الغصون كأعين الفتيات
و الأفق يورق بالأشعّة و الندى و الأرض تمرح في حليّ نبات
*** -
و هنا انتهى دور الجرائم و ابتدى دور وريف الظلّ كالجنّات
فتجمّع الإخوان بعد تفرّق وانضمّ شمل الأهل بعد شتات
صرعت أباطيل الدجنّة يقظة أقوى من الإرهاب و القوّات
و الدجل يذهب كالجفاء و لم تدم إلاّ الحقيقة فوق كلّ عتاة
*** -
إنّ الحياة مآتم تفضي إلى عرس و أفراح إلى حسرات
لكنّها بخريفها و شتائها و بصيفها .. حكم ودرس عظات
فاختر لسير العمر أيّة غاية إنّ الحقيقة غاية الغايات .

الرابط الصوتي للقصيدة : لايوجد

مع تحيات موقع : أدب
www.adab.com