عنوان القصيدة : منارة لوطن في متاهةللشاعر :أحمد بنميمونالقسم : المغرب تستطيع مشاهدة القصيدة في موقعنا على العنوان التالي : http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=65492
|
| ـ 1 ـ |
| وطني راحل في الضباب وسبابة الشعر فيه تشير إلى الشمس ، |
| وأجنة أطفال ٍ بلا ملامح تندلق من صخور جباله ، |
| وقد أصيبت بحمى مدنية تـُنشد : |
| حان أوان خروجنا إلى اخضرار ٍجذوره في الغيوم، |
| لنتعبّأ بين التراب ، |
| من أجل العودة إلى فضاء ٍ لنا فيه زهو جبل |
| عنده مفاتيح الماء لا يملكها إلا هو ، كل عين قصيدة ، |
| وكل رشفة رؤية لأحلام الدم اللاهث ، |
| وكل شعاع ٍ آية ، |
| والمنارات سور ٌ من قرآن ٍ ليليّ ٍ يرتله المد لجون في خشوع ٍ، |
| ومع كل قنديل تنزل السكينة في قلوبهم ، |
| وخلف التراب الذي نتسلح لحمايته بالعيون ، |
| والخطوات التي تتقدم ، |
| والآيات المشعّة ومنارات يوحي أو يفاجئنا بها الليل ، |
| فيعرينا إن تقاعسنا فلم نسع إلى التربة بأعضاء ذكورة حديدية |
| لإخصابها بفحولة قد تزول عنا إن أسأنا فلم نشبع ظمأها |
| الذي يتوهّج في غناء جيل قادم من الفلاحين إلى بلادي الهاربة في الجدب ، الخائفة من مواجهة صريحة مع وجوه الغد المتعددة، |
| هما وجهان ليس أكثر: غاصب ومغتصب ، |
| ونجاهد من أجل فعل لا يديننا ويدين الاضطهاد . |
| غصبتنا عصابة السوء أرضا ليس سهلا ضياعها ، |
| كيف يمسي ما نعاني من غربة عاديا ؟ |
| من منا الذي لا يعرف من تحدّانا بتهجيرنا جموعا ، |
| قضى بالذل المشين علينا، |
| فانكشف أيها المكان عن المدهش من فعل ٍ ممعن في التحدي ، |
| بين أهلي متاهة ، وهنا عمري الذي يذوي ورده في اغتراب ٍ، |
| يسأل النبع والتراب وآيات الخروج المشعة : الفعل والأغنية ، |
| الفرحة الكبرى لن تأتي قريبا ، |
| وفجرنا في البدايات سيبدو وجها مريبا ، |
| هل نرى في الضياء وجها حبيبا ؟ |
| وطني ماخر عباب الدخان أين يمشي ؟ سبابة الشعر فيه ، |
| في طريق ٍ تشير لي نحو شمس ٍ ، نحن لا نمشي نحوها ، |
| أيّ أجيال ٍ ستنمو في ظلمة الدرب منذ الآن ؟ |
| إني أعطيت ُ عيني لبلادي : |
| عين أجيالنا التي من غد ٍ سوف تجيء ُ بالأمنيات |
| وأفراح شيوخ ٍ أحفادهم حققوا الحلم بنار إبداعهم والتحدي |
| ها نفضت ُ عن خطوتي ألم القيد وأعطيت ُ من معي كلـْمة السر ، |
| تركتُ زنزانتي وأنا الآن وليدٌ في قبضتي نار حقدي . |
| ـ 2 ـ |
| إذ يسيل دمي نافرا بين أحجار هذي الكهوف |
| تشعّ نجوم على الأرض تسعى لأسواقها ، |
| بعضها لا يشع :الكآبة والفقر لا يمنحان الكواكب إيماضة ، |
| تتمدّد نار الحروب ، |
| كما يتدفــّــق سحر المعادن مالا على وجه أرضي ، |
| يزيّــف أخبارها الأغنياء ، |
| إذا شاء حملي الجواسيس للسجن ها أنذا أتغنى ، |
| وأدفع أغنية للجماعة نحو الرياح ، |
| وأهتف :إن الذي يتراكم على موائدهم عرق الفقراء ، |
| وإن الذي يتوهّـج فوق تيجانهم ضحك مغتصب . |
| هذه مدن الفقراء يجلـّـلها بالسواد الصباح الوشيك ، |
| تأهّب في رحم الليل فيهااندفاق ٌ سينهلّ بالأغنيات ، |
| ويخرج أبناؤها شاهرين سيوفا على من يزيّـف |
| إشراقة ً ، زارعا في الجفاف بساتين أمنية غالية . |
| ـ 3 ـ |
| في انتظار طائر السعد نغنى نشيدا حزينا ، |
| لا نتحرك ، نتعجّب من الحزن الذي يهاجم كالفيضان |
| فيهلك الزرع والضرع ، فنصرخ : |
| أيها الماء أتفيض احتجاجا |
| أم من أجل أن تكتشف اليابسة لتمحوها ؟ |
| وهل يتلقى الجياع القنابل العنقودية |
| ليشبعوا؟ |
| الآن نصير النار ونهاجم الأسلحة ، |
| ونصير الجماهير ونهاجم هراوة البيروقراطية ، |
| ونصير الجنوبيين ونهاجم بدل أن نكون هدفا للعدوان ، |
| ونصبح مصر ونقمع أبا لمعة ، |
| ونصبح التراب الهواء الماء النار ونهاجم ، |
| من أجل أن نطرد الحزن ، |
| من أجل أن تورق الأشجار بفرحة يقطفها الجميع ، |
| فرحة تنهض إذ ننهض ، |
| وتحرسنا حين نستريح |
| في الحب |
| أو الضحكة |
| أو الرشفة ، |
| للحب نقرب الينابيع البعيدة |
| التي حرمت طفولتنا من ورودها ، |
| ونؤسس للضحكة الإشراق والصفاء ، |
| هذا مايستحق أن نموت من أجله |
| حين نمنع من أن نفتح عينا |
| بما يفعل الحرف أو برقصة اللون ، |
| أو بالصرخة المضيئة على طريقة الصدى لا البرق ، |
| ولا نخشى بعدها أن نكمّـم ، |
| فالصرخة المضيئة منارة ، |
| وصراخ الضوء |
| خالد ، |
| حتى وإن أتى خاطفا خاطفا ، |
| كذلك كلمة الصدق مدوية |
| وإن كـُمِّمَتْ أو أُجهضتْ ، |
| لا تنتظر أن تنقشع الرعونة ، |
| فالجبروت ظلمة لا ترحل إلا أمام قوة كالشمس |
| التي يشير إليها الشعر في شفاه وطني |
| الرازح غير راض ولا خاضع تحت نير الرعونة ، |
| تتفتح براعم براعم من أجل التبشير بحكم العشب والسنابل ، |
| من أجل طرد الجفاف |
| والرعب |
| والعناقيد التي تورق في النار . |
| ـ 4 ـ |
| هذا اختياري أن أكون مُشعا، |
| وللجبال ألآن أن تحتويني قضية المؤمنون بها ليسوا طينة علوية ً، |
| ودمهم ليس أزرق ، |
| وليسوا من سلالة النجم أو ما فوقه ، |
| ومع ذلك فما يشع هو إيماني ،فألتهب به، |
| وأجمع نثير الضوء لأنفجر، |
| أجمع الوهيج في عيني ، |
| والأجيج في فمي ، |
| لأرمي الحمم والقنابل على من يؤخرون الزحف ، |
| ويقيمون أسوارا بين الطبقات ، |
| وحين ندعو على المسرح بالسقوط، |
| وعلى الرأس بالموت أو الابتعاد عنا ، |
| نهاجم فردى وزرافات ، |
| علانية ولا نعود نفاجأ بزيارات الفجر، |
| بل نجلس في انتظارهم ، حازمين أمتعتنا ، |
| فنضجر حين يتأخرون ، |
| كما يضجر الواقفون على رصيف قطار |
| يخلف الميعاد ، لكنه لا بد يجيء ، |
| أردنا أم لم نرد ، |
| ويتأخر ونفضل أن نعود ،لكنه يأخذنا فجأة ، |
| وبدون رغبة منا ، |
| مبالغة في عادة أفضل أن أكذب الآن |
| وأقول :إنها كرم متأصل ٌ، |
| حتى لا أغضبه ، |
| فللرأس أكثر من أذنين ، ومن عينين |
| ويعلم ما لا نعلم ،ويرانا ولا تدركه الأبصار ، |
| وكفاني أني أزعجته بأن كنت مشعا وحليفا للمنارات ، |
| وكنت صدى صراخها في متاهة الوطن ، |
| وأن تشعّ قليلا خير من أن لا تندّ عنك نأمة ٌ |
| تنمّ عن وجودك ، |
| تلعن بها الظلام ن وللأعين بعد ذلك أن تصنفك : |
| ـ فأنت زاحفٌ ، |
| وهذا شرف لم يحظ به إلا مؤمنون |
| زحفوا وحققوا بدء النصر ، وعلينا أن نكمل . |
| ـ أو فأنت طائر ٌ ، |
| وهذا مجد لم يظفر به غير جاجارين . |
| ـ أو إنك راجلٌ ، |
| وهذا ما يجب أن تحافظ عليه لتكون إنسانا عن جدارة . |
| ـ 5 ـ |
| من أجل أن يفيض ضوء هذه المنارة على الشاعر نفسه ، |
| أحسّ بدبيبٍ في صدره ، |
| يتحرك نحو رأسه ، |
| وبدوار في الرأس يحرك ليسير نحو الجسد كله ، |
| وتداعت إلى الذهن، وقد انتابت هذا الكائن ، |
| رغبة في البكاء أو ما يوازيه ، |
| بأن إخوته وأباه وأمه، وأقاربه جميعا ، |
| يلاحظون أنه لا يحدثهم |
| ـ هو وأصدقاؤه ـ |
| في الشعر بما يضيء حياتهم اليومية ، |
| أو يستضيء بها : ألا يقال إن كل قصيدة منارة ؟ |
| فكيف تكون كذلك إذا كانت لا تأخذ أو تعطي شيئا ؟ |
| أحس الشاعر وهو في لحظة تشبه الإغماء ، |
| بأصوات الأقارب والأباعد تستصرخه وتستحثه |
| أن ينغمر في الحياة لاكتشاف جوانبها الخلفية المظلمة ، |
| وأن ينخرط في |
| أحلام الأطفال |
| والراشدين والرجال المكبلين بأكثر من حبل ، |
| ورغم ذلك فهم يخرجون كل صباح |
| من أجل أن يعودوا بشيء يحملون عليه ابتساماتهم ، |
| حتى لا يقول طفل أنا بقرة ، ويأكل من الحشائش ، |
| وحتى لا يلجأ راشد إلى ما يخدر عن قصد وسبق إصرار، |
| قالت الأصوات للشاعر : |
| يجب ألا تهمس للناس ، |
| بل اصرخ بما يفرقون به بين العلم والخرافة ، |
| دع للآخرين أن يقولوا :إن الشعر ذو أجنحة ، |
| ولتقل أنت: بل هو ذو قدمين وعينين واسعتين، |
| يمشي بهما إلى كل شيء ، ليرى ، ويصرخ احتجاجا ، |
| فمن لا يَرَ لا يُرشدْ . |
| هدأت الأصوات قليلا ، فسكتت ثمّ عادت لتهمس : |
| إنك ترى يوميا ما يؤلم ، |
| فلماذا لا تكون اللسان النابض في حنجرة الرفض ، |
| أو الصوت الصارخ في المدينة ؟ |
| كن صوت الرفض وهتاف الصمت ، |
| وتكلم طويلا طويلا دون أن تمسك قيثارة ، |
| كما كان المشهد يتطلب ذلك في القديم ، |
| ودونما حاجة إلى جوقة أطفال أو نساء ، |
| يمكنك الآن أن تمسك هراوة أو بندقية وتشرح ، |
| أو تقف في حراسة من يشرح ، |
| وفي عينيك بسمة تبعث الثقة في نفس من يتعلم ، |
| بل إنها تبعث على الرغبة في الخروج إلى الشمس ، |
| ورفع السواد عن جدران المدينة |
| التي انغلقت أمامها دروب الغد ، |
| ووجدت من يفتح لعا خط الرجعة ، |
| أعداؤك أيها الشعر |
| يعترضون دائما طريق من يريد السير نحو الغد ، |
| وطرد السواد ، |
| و القص من أجنحتك حتى لا تصبح أسطوريا ، |
| ونحن نحدد لك الآن موطئ قدم على الأرض |
| من أجل أن تضئ ، |
| بما يجعل منك منارة نشعلها لوطننا في متاهته، |
| التي لن تنهيها الرغبة أو مجرد النية الحسنة ، |
| بل نهوض جماعيّ إلى قطع الألسنة والرؤوس ، |
| علامات الأمس بيننا ، |
| بدل أن تكون المنارات للأذان والصياح المنكر ، |
| لتكن مصادر صراخ الضوء إلى فضاء تضيئه العواصف . |
| ـ 6 ـ |
| أيتها القرمطية التي تتجدد رؤيا ومظهرا ، |
| أنت أيضا كنت تشعين ولازلت ، |
| لماذا هاجرتنا |
| وأعطيت للأعداء الطبقيين الفرصة لاتهامنا |
| باستيرادك من هنا وهناك ، |
| رؤيا ومظهرا ؟ |
| أنشدي على وتر الكلاشن أغنيتك وقولي : |
| إننا نولد تحت الضغط ، |
| ونعلن عن الهوية بأن نشع ، |
| تلك علامتنا الفارقة: |
| أنذا أتقرمط الآن ولا أخشى من التهم الجنون والضلال ، |
| بل أعتزّ بهما نياشين ، |
| وأدرك أيضا ماذا وراء وصفهم نضالنا بالإرهاب ، |
| وأنا لن أعيد الخطأ القاتل |
| فأكرر اختطاف الحجر |
| الأسود ، |
| ولكنني أصحّـح بالتجربة ممارستي |
| وأجعلهم هم من يختطفونه الآن ، |
| أو ينقلونه إلى الرفيق الأعلى ، |
| أو يخفونه كما يخفون عوراتهم وحقائق أخرى. |
| أيها القرامطة يا رفاقي ، |
| هناك أحجار أكثر سوادا يجب أن نختطفها ، |
| وهي ما كان يجب اختطافه من قبل ، |
| :تلك أحجار تقيم في صدور الأعداء |
| يسمونها قلوبا ونسميها مجامع أضغان وقسوة ، |
| وكل ما لا يتحرك لرؤية |
| الذبح |
| وبقر البطون |
| وسمل العيون |
| والعبور على قناطر النار ، |
| ومشاهد غير ذلك أدهى وأفظع ، |
| أيتها القرمطية يا هويتي التي تتجدد: اشتعلي ، |
| ويا كلماتي انفجري من أجل انتفاضة تشتتهم شذر مذر ، |
| ومن أجل حرب لا تبقي ولا تذر ، |
| نتجابه فنضئ ، نكون من يرشد إلى شط النجاة . |
| ـ 7 ـ |
| إخلاصا مني لنظرية من احتجّ عليّ في الشعر ، |
| أجلس لأحاور التاريخ واليومي ، |
| ولأحدد النظر في ذاتي ، فأقرُّ بأخطائي ، |
| وأعترف بأن ّ الطرق انقطعت بيني وبين بيتي ، |
| وبين بيتي والشوارع المؤدية إليه ، |
| وبيني وبين الرجال والأطفال الذين أعرفهم اسما اسما ، |
| وبيني وبين شعاب الجبل ن وطرقات الأنهار، |
| والبساتين المهملة ، |
| والأسوار، |
| وبائع النعناع ، |
| ومتاعب المهنة ، |
| وجوف الطقطوقة ، |
| وعاملات الزرابي الصغيرات ، |
| والحيوانات التي كانت تجاور بيتنا في الطفولة ، |
| والباشا ، |
| عمال القمامة ، |
| والأمسيات الجميلة أمام الينابيع الثرة ، |
| والله ، |
| وحافلات السفر العمومي ، |
| وبضع عاهرات عاشرتهن في شبابي الأول ، |
| وشرطة الاختطافات ، |
| وزوجتي ، |
| ورئيس البلدية ، |
| والبنايات القديمة التي فقدت رونقها ، |
| والعمل السياسي ، |
| وبعض الأشعار ، |
| والنقابة ، |
| والأصدقاء ، |
| والمسؤولية ، |
| وليلي السكر، |
| والبطالة ، |
| وأيام الجامعة ، |
| وليالي افتقدتُ أنجمها |
| لكنها رغم ذلك أمطرت خيرا وبركة ، |
| وبائع الثياب المتجول ، |
| وحفار القبور ، |
| وهدايا العرس ، |
| وآثار اختلاط الجنسين ، |
| ومفعول التلفزيون ، |
| وموسيقى اللهاث النافر الرافض ، |
| قرّرت ُ أن أجري إلى اجتماع |
| مع من يحتجّون عليّ في الشعر |
| من أجل أن أقول بصدق ٍ : |
| ( إني مع الشعر الذي من صفته كذا وكذا ...إلخ . |
| وضد الشعر الذي يزيّف ويستعدي ، |
| ولا يسمي الأشياء بأسمائها ، |
| فيعوي ككلب حين يخاطب النجوم ولا نجوم ، |
| والجداول ولا جداول ، |
| والبحار ولا بحار ، |
| وينفث سمومه كأفعى حين يهاجم الإنسان المضئ ، |
| والمنارات التي نشعلها في متاهة الوطن ) |
| وأسعى إلى مدينتي |
| بقصيدة فلا أعرف من أية طريق أذهب إليها ، |
| فالظلمة تغطيها ، |
| فأكتفي |
| ببعث |
| هذا الخطاب |
| كسهم ٍ ، |
| وأتبعه |
| عائدا |
| قادما |
| كشعاع . |
| - |
| شفشاون في 20/05/1981 |
  إطبعها الآن