عنوان القصيدة : أشيري إلى عاصي الهوى يتطوع

للشاعر :جبران خليل جبران
القسم : لبنان
تستطيع مشاهدة القصيدة في موقعنا على العنوان التالي :
http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=shqas&qid=53679


أشيري إلى عاصي الهوى يتطوع ونادي المنى تقبل عليك وتسرع
أفقرا فتاة الروم والحسن مغنم وطهرا وهذا العصر عصر تمتع
إلى كم تطوفين الربوع تسولا تبيعين صوت العود للمتسمع
لقد كان عهد للفضيلة وانقضى وأبدع هذا العهد أمرا فأبدعي
ولو شئت قال الحب إمرة قادر لمجدب هذا العيش أزهر وأمرع
وللقفر كن صرحا مشيدا لأنسها وللصخر كن روضا وأورق وأفرع
وللظلمة الخابي بها النجم أطلعي لها أنجما إن تغرب الزهر تسطع
فتاة كما تهوى النفوس جميلة منزهة عن ريبة وتصنع
تخال محلاة وما ثم من حلى سوى أدب وفر وحسن ممنع
هضيمة كشح ما بها من خلاعة ويكذب ما في مشيها من تخلع
بياض يغار العاج منه نقاوة ويحجبه لون الحياء كبرقع
وعينان سوداوان ينهل منهما ضياء كمسكوب الرحيق المشعشع
تمد يديها للسؤال ذليلة فإن سئلت ما ينكر النبل تمنع
فلله لك الكف تبسط للندى ولو طلبت ملكا لفازت بأرفع
تود قلوب الناس لو بذلت لها كبعض عطاء المحسن المتبرع
رآها فتى خال فملك حسنها قياد الهوى في قلبه المتوزع
وكان ضعيف الرأي في أمر نفسه رقيق حواشي الطبع سهل التطبع
أديبا صبيح الوجه بين ضلوعه فؤاد جواد بالمحامد موزع
غنيا على البذل الكثير موطأ له كنف العلياء في كل مفرع
فغازلها يوما فعفت فظنها تشوقه بالصد عنه لمطمع
وأنى على فقر تعف طهارة ولا عفة إلا بري ومشبع
فسام إليها عرضها سوم مشتر وأغلى لها مهر الشباب المضيع
على زعم أن المال وهو شفيعه يكون لدى الحسناء خير مشفع
ولكن تعالت عن إجابة سؤله وردت عليه المال رد ترفع
فما زادها إلا جمالا إباؤها وما زاده إلا صبابة مولع
وأدركها في روضة فخلا بها بمرأى رقيب للعفاف ومسمع
فلما استبانت في هواه نزاهة أجابت إلى النجوى ولم تتورع
وقالت له إني فتاتة عليلة على موعد من طارئ متوقع
تناوبني جوع وبرد فأقلقا دعائم صدري الخائر المتصدع
وبي ضعة في الحال حاذر قصاصها ومثلك إن يقرن بمثلي يوضع
وإياك حبا دونه كل شقوة تعاني به دائي وتفجع مفجعي
لك الجاه فاختر كل ناضرة الصبا ربيبة مجد ذات قدر مرفع
وكلني إلى همي فإني غريقة ببحر من الآلام والذل مترع
إذا لحظت عيني النعيم فإنه لينفر مني نفره المتفزع
سقيت الرزايا طفلة ثم هذه ثمالة تلك الكأس فلأتجرع
فقال لها بل يشهد الله بينا وأسقام قلبي الواله المتوجع
وتشهد هذي الشمس عند غروبها وما حولنا من نورها المتفرع
ويشهد ذا الروض الأريض ودوحه وما فيه من زهر وعطر مضوع
وهذي الظلال الباسطات أكفها وهذي الشعاع المؤمئات بأذرع
وهذي المياه الناظرات بأعين وهذي الغصون المصغيات بمسمع
بأني لا أبغي سواك حليلة ومهما تسمني صبوني فيك أخضع
وأني أقلي صحتي وشبيبتي إذا لم تكوني فيهما متمتعي
لعينيك أرضى بالحياة بغيضة علي فإن عوجلت بالبين أتبع
فقالت له مسرورة وهي قد جثت لديه بذل العبد المتخشع
أفي حلم أم يقظة ما سمعته فإن سروري فرط ما زاد مغزعي
لعمرك ما قرت عيون بمنظر ولا طربت نفس بلحن موقع
ولا رويت ظمأى الرياحين بالندى فعادت كأزهى ما تكون وأبدع
ولا آنس الملاح بشرى منارة له بلقا أهل وصحب ومربع
كما طبت نفسا بالذي أنت قائل وفارقني اليأس الذي كان موجعي
وما أنا إلا حرة مشرقة لفضلك مهما تأمر القلب يصنع
وأجزيك عن عمر إلي أعدته بحبي وإخلاصي على العمر أجمع
وقد ختما هذي العهود بقبلة وأكدها صدق الغرام بمدمع
حياتك ما ساءت وسرت كمركب على سفر راس قليلا فمقلع
فإذا انقضت فالحادثات جميعها تزول زوال العارض المتقشع
أتنظرها حسناء جملها الردى ليسطو عليها سطوة المتشفع
على وجهها من مغرب الشمس مسحة تذيب فؤاد العاشق المتطلع
يقول وقد القى عياء بنفسه على الأرض كالنضو الطليح المضلع
فجعت فؤادي يا زمان بخطبها فليتك مرزوء الفؤاد بأفجع
عروس لعام لم يتم صرعتها ولو شئت لم تضرب بأمضى وأقطع
فباتت على مهد الضنى ما لجفنها هجوع ولا جفني يقر بمهجع
وكان ربيعا لي فأقوت مرابعي من الزهر والشدو الرخيم المرجع
أقول لها والداء ينحل جسمها عزاءك لا بأس عليك فتجزعي
كذبت على أن الأكاذيب ربما أطالت حياة للحبيب المودع
ولكن أراها ينفث الدم صدرها فأشعر في صدري بمثل التقطع
وأحنو عليها حنية الأم مشفقا وهيهات تحميها من البين أضلعي
وأرنو إليها باسما متكلفا فتفشي مرارا سر خوفي أدمعي
وما غرها مني افترار وإنما يدل على اليأس انكشاف التصنع
إذا افتر ثغري من خلال كآبتي على ما بقلبي من أسى وتفجع
فقد يبسم البرق البعيد وإنه لذو ضرم مفن ورعد مروع
فبينا يناجي نفسه وفؤاده كشلو بأنياب الغموم مبضع
دعته وقالت يا حبيبي إنه دنا أجلي فالزم على القرب مضجعي
متى تبتعد أوجس حذارا من الردى ولكنني أسلو الردى إن تكن معي
أيذكرك التوديع أول ملتقى كشفنا به ستر الغرام المقنع
وحلفتنا أن لا يصدع شملنا فراق على رغم الزمان المصدع
فعش سالما واغنم شبابك مطلقا من العهد ولأجعل فداك بمصرعي
وما كان ذاك العهد إلا وديعة تلقيتها من ذي وفاء سميذع
وعند النوى توفى الأمانات أهلها وينهى إلى أربابه كل مودع
ولكن إذا ملكت قلبك فاحتفظ برسمي وحسبي فيه أصغر موضع
فأصغى إلها وهو يشهد نزعها وينزع في آلامه كل منزع
وقال أبى الله الخيانة في الهوى فإن لم أمت بالعهد فلأتطوع
فيا بهجة البيت الذي هو بعدها كدارس رسم فاقد الأنس بلقع
ويا زهرة الحب التي بذبولها ذبول فؤادي الناشيء المترعرع
لئن تنزلي دار الفناء وحيدة فلا كان قلبي في الهوى قلب أروع
وإن عدت فيمن شيعوك فلا يكن بموتي لي من صاحب ومشيع
ولما أجابت داعي البين موهنا أجاب كما شاء الوفاء وما دعي
أصابت سهام اليأس مقتل قلبه فما نعيت حتى على إثرها نعي
على أنها الدنيا اجتماع وفرقة وتخلف دار البين دار التجمع

الرابط الصوتي للقصيدة : لايوجد

مع تحيات موقع : أدب
www.adab.com