الشعر الفصيح | الشعر العامي | أدباء العرب | الشعر العالمي | الديوان الصوتي | ENGLISH

الأولى >> سوريا >> شادي حلاق >> معزوفة بالوتر الأسود

معزوفة بالوتر الأسود

رقم القصيدة : 84956 نوع القصيدة : فصحى ملف صوتي: لا يوجد


سَكبَ الوقتُ العَتْمةَ في كأسِ الآفاقِ

فأغرَقَنا في وحلِ الليلْ

نَسَلَ النورَ الأبيضَ منْ عينينا

و رمى نوراً أسودَ في العينينْ .

و ليالي شَعركِ تمتصُّ الليلَ لتَنْقُلَني

مع هذا الليلِ فأغرقُ في ليلينْ .

تتوترُ أعصابُ الليلْ

تتشعَّبُ في جسدِ العَتْمَةِ أمواساً تزحَفُ ... تَزْحَفُ فيهْ

تَجْرَحُ جلدَ الليلِ فَتَقْطُرُ زخاتٌ منْ دَمِهِ

المصنوعِ منَ التاريخِ و تهطلُ فوقَ شراشِفِ روحي

توخِزُ أحزاني توقِظُها

تَسري في ذاكرتي برقاً

حتى تقسمَها وجهينْ

يَلبسُني وجهُ التاريخِ و ألبسُ وجهَ المستقبلِ

أمشي نهراً ضوئياً بينَ الوجهينِ

فَيَشْطُرُني سيفُ الليلِ

و تَعبُرُني قافلةٌ منْ رائحَةِ الدمعِ

و قافلةٌ منْ رائحةِ الدمْ

تَرْسُمُني مخلوقاً دَمـْدَمْعِيّاً

أمسكُ بالوترِ الليليِّ و أعزفُ أغنيتي

فَتسيلُ الموسيقى زخاتٍ زخاتْ ،

أمواجاً أمواجاً ،

أنهارَ دموعٍ سوداءْ

أطرقُ بابَ الليلِ و أطرقُ ، أطرقُ ، أطرقُ ،

لا أحدٌ يسمعني

فألملمُ منْ أذنِ الليلِ ، ألملمُ جثَثَ الطَّرْقاتِ

و أدفُنُها في مقبرةِ الشهداءْ

أصطادُ منَ الآفاقِ رنينَ الطَّرْقاتِ

و أسكُبُها في كأسٍ منْ حزنٍ

أشرَبُها حتى السكْرِ فألمحُ وجهَكِ في قعرِ الكأسِ كئيباً و يُناديني بالصمتِ

و يَبكي دونَ دموعٍ فأُغني :

ضُميني يا عاصمةَ الأحزانِ و يا قلبَ الجسدِ الكرويّْ

يا منْ ضخَّتْ دَمَها حُبّا حتى آخرِ أطرافِ شعيراتٍ بشريَّة ْ

ضخَّتْ دَمَها أسراباً أسرابْ

يا منْ تَرضعُ منْ ثديِ الأيامِ حليبَ الموتِ

و تُرضِعُ أبناءَ الأرضِ حليبَ حياةْ

تعصرُ منْ عينيها وطناً ليَعودَ الغُيَّابْ

يا منْ تَدخلُ كالآتي ، المسنونِ ، بخاصرةِ التاريخِ

و تبني مستقبلََها بيديها

ليصيرَ المستقبلُ بيتاً مفتوحَ الأبوابْ

يا منْ لبستْ كلَّ الليلِ

و ما خلَّتْ للحزنِ ثيابْ

* * *

نرسم وجه الأيام علينا باللون الليليِّ

عساها تغدو ـ يوما ـ صبحاْ

نغمس بالأسودِ أوجاعَ الأرضِ

لكي تتبخرَ ، تصبح غيماتٍ

تهطل فوقَ التربةِ قمحاْ

نَفْرُشُ فوقَ الليلِ عباءتنا السوداءَ ، نغطيهِ .

نحن الليل ، وهذا الليل الـ نعرفه يُوحَى

و أنا أنتِ ، و أنتِ أنا

من دمعاتك ـ تلك ـ تَكوّنَ جسمي

و من العينين أخذت الرّوحاْ .

صبّي حزنك بين الناس ِ

يَنبت من عينيهم عيدُ

دوري من عزف الكاس ِ

كي نُنْشدَ :

دو ري مي فا صول لا سي

* * *

ما زلنا نحنُ الاثنان وحيدين

نسيرُ على حبلِ وريدٍ ـ منّا ـ منفردٍ

عينانا وَسعتْ كلَّ الدنيا,

و الدنيا نهرٌ عذبٌ يُسكبُ في تابوتْ

ضمّيني أكثر، أكثر، أكثرَ

فالأرضُ اهتزّتْ

و الجوُّ بداخلنا رعدٌ و رصاصٌ

صرنا الآن غشاءَ الصمتِ الـ يخرُقُهُ سيفُ الصوتْ.

تعدو الأفراحُ على أرصفةِ و هامشِ شارعنا

وبقينا في منتصفِ الشارعِ حزناً مجروحاً،

يتّكئُ ـ الآن ـ على صبرِهْ

و يُضمِّدُ جرحَهُ ـ هذا ـ بلفافةِ صمتْ ، ـ

يغمرنا بالوحلِ الأسودِ، يشعرنا بالموتِ الضاحكِ,

نضحكُ، نضحكُ، نضحكُ ...

حتى اهتزَّتْ خاصرةُ الموتْ

فارتعشتْ كلُّ زوايا الآفاقْ.

أجملُ منْ كلِّ الأشياءِ و أصعبْ

وجهٌ رُسمتْ فيه البسمةَُ و هو يموتْ.

أحتاجكِ يا وطناً من أنثى

يا امرأةً كاملةً تحضنني بينَ ذراعيها

تغرسُ في صدري خنجرَ نهديها

تقتلني، تقتلني

ثمَّ تثورُ و تبكي، تحملني بالدّمعِ

و تقبرني في العينينْ

أحتاجكِ يا امرأةً

لا تَصنَعُ بينَ القلبين إشاراتِ مرورٍ أو قانونْ

أحتاجكِ يا امرأةً

تَدْخُلُ روحاً فيَّ و أَدخلُ روحاً فيها

أصبِحُها ، تُصبِحُني ,

نغدو ماءً مصبوبا في ماءٍ ، لا نَعرفُ منْ منا الآخرَ ؛

أحتاجُ ، و أحتاجُ ، و أحتاجْ ...

من مالِ الله يا محسنُ

يا ناسُ أعينوا هذا المجنونْ .

تَعِبَتْ روحي , تعبتْ أجزائي و بقايا عمري

تعبتْ ، تعبتْ ، تعبتْ

من شدَّةِ هذا الصّدق ِ ،

فإن الصدقَ كما الوقت إذا يكثُرُ قلَّ العمرُ ،

فيا كلماتِ الصّدقِ لقد حرَّضتِ على ألمي ، ألمي .

كلماتُ الصّدق تعرّشُ أشجارَ سيوفٍ

في عينيَّ و في قلبي و فميْ

فتسيلُ الكلماتُ ، من الثغر، مضمَّخةً بالدَّمِّ

فرفقاً بي يا صدقُ

فإنكَ تسحبُ منْ جسدي كلَّ دميْ .

* * *

هل ، لبحارِ الدمع ِ، لدينا ساحلْ ..؟‍‍

هل لطريقِ المنفى ، منزلْ ؟

هل ، لمدادِ الحزن ِ، لدينا سُورْ ؟

كانت أسئلةٌ تعبُرُني

تُلْصَقُ في وجهي منها بصماتُ بقايا أجوبةٍ

و ذهولٌ

فأدورُ ... أدورُ ... أدورْ

أسقطُ في منفايَ وحيداً مع ذاكرتي

أصرخُ ، تصرخُ روحي

صرخت كلُّ عروقي و عظامي ، لحمي و دمي

صرخت سائلةً ريحَ الأفراح

بأنْ تأتي و تمشِّطَ فيَّ ضفائرَ حزني

راحتْ تجري ريحُ الأفراح و تركضُ ، تلهَثُ ،

تمشي و تُهروِلُ ، تزحفُ

حتى عبَرتْ ـ منْ بعض ضفائر أحزاني تلك ـ ضفيرةْ .

قالتْ مُرهقة ً:

إنكَ تطلبُ مني أنْ أحيا وأموتَ وأحيا و أموتَ وأحيا وأموت ...

لا أقدرُ أنْ أنهي تمشيطَ ضفائرِ حزنِكَ في هذا العمرِ

فإنَّ ضفائرَ حزنِكَ أطولُ ، أطولُ ، أطولُ

منْ عُمْري بعصورْ .


موقع أدب (adab.com)



هل أعجبتك القصيدة؟ اضغط زر (اعجبني) لتشارك آلاف المعجبين




اقترح تعديلا على القصيدة
أضف القصيدة إلى مفضلتك
أرسل القصيدة إلى صديق
نسخة مهيئة للطباعة



القصيدة السابقة (عندما كنتُ كبيرا) | القصيدة التالية (كيف هبط آدم وحوّاء ..؟!)


واقرأ لنفس الشاعر
  • إِعرابات
  • أيها الليل هل سننقرض ؟!
  • كيف هبط آدم وحوّاء ..؟!
  • الطواف حول فصول الأزمان
  • عندما كنتُ كبيرا



  • بحث عن قصيدة أو شاعر في ديوان الشعر الفصيح
    عرض لجميع الشعراء | للمساعدة
    احصاءات/ آخر القصائد | خدمات الموقع | قالوا عن الموقع | مفضلتي الخاصة

    أخبر صديقك | من نحن ؟ | راسلنا

    صلاح عبدالصبور قاسم حداد محمود درويش محمد جبر الحربي نزار قباني  مظفر النواب محمد الماغوط أحمد مطر أحمد عبدالمعطي حجازي أدونيس عبدالوهاب البياتي عبدالرحمن العشماوي عبدالعزيز المقالح سميح القاسم





    Follow Jawal_Adab on Twitter

    جميع الحقوق محفوظة لموقع "أدب" ، ويجب مراسلة الإدارة
    عند الرغبة في نشر اي نصوص أو معلومات من صفحات الموقع.
    Copyright ©2005, adab.com