الشعر الفصيح | الشعر العامي | أدباء العرب | الشعر العالمي | الديوان الصوتي | ENGLISH
الأولى >> اليمن >> عبدالله البردوني >> بين ليل و فجر

بين ليل و فجر

رقم القصيدة : 67529 نوع القصيدة : فصحى ملف صوتي: لا يوجد


في هجعة اللّيل المخيف الشاتي و اجوذ يحلم بالصباح الآتي
و الريح كالمحموم تهذي و الدجى في الأفق أشباح من الإنصات
و الشهب أحلام معلّقة على أهداب تمثال من الظلمات
و الطيف يخبط في السكينة مثلما تتخبّط الأوهام في الشبهات
والظلمة الخرسا تلعثم بالرؤى كتلعثم المخنوق بالكلمات

***

في ذلك اللّيل المخيف مضى فتى قلق الثياب مروّع الخطوات
يمشي و ينظر خلفه و أمامه نظر الجبان إلى المغير العاتي
و يرى الحتوف إذا تلفّت أو رنا و يحسّ أصداء بلا أصوات
و يعود بسأل نفسه ما خيفتي ؟ ماذا أحسّ ؟ و أين أين ثباتي ؟
ماذا يخوّفني أنا رجل السرى ؟ و أنا رفيق اللّيل و الفلوات
هل ليلتي غير اللّيالي ؟ أم أنا غيري … أكاد الآن أنكر ذاتي
أين الصباح و أين منّي قريتي ؟ و الرعب قدّماي و في لفتاتي

***

و هنا تراءت للمروّع عصبة كالذعر شيطانيّة اللّمحات
شعث كأهل إلاّ أنّ في نظراتهم همجيّة الشهوات
و تقلّبت مقل العصابة في الفتى و كأنّها تشويه بالنظرات
و تخيّلت " كيس النقود " فأبرقت رغباتها في الأعين الشرهات
و تململت فيها الشراسة مثلما يتململ الزلزال في الهضاب
و التاع فيها الشرّ فاهالت على ذاك الفتى بالضرب و الطّعنات
فاستلّ خنجره و كسّر وحده و حشيّة الوثبات بالوثبات
و تلفّتت تلك العصابة حولها فرأت بعين الوهم ظلّ سراه

***

و هناك لاذت بالفرار و أدبرت ملعونه الروحات و الغدوات
و عدت يصادم بعضها بعضا كما تتصادم الآلات بالآلات
و جثا الفتى بين الجراح كمدنف يستنجد العوّاد بالزفرات
و تلكأت عند التوجّع روحه بين الممات و بين نصف حياة
وامتدّ في حضن الطريق وداؤه حيّ وصفرته من الأموات
و تداعت الأوجاع فيه و التظت فيه الجراح الحمر كالجمرات
و إذا تهيّأ للنهوض تثاءبت فيه الجراح تثاؤب الحيّات
و على يمين الدرب كوخ تلتقي في صدره النكبات بالنكبات
بين القصور و بينه ميل و ما أدنى المكان و أبعد الرحمات !
يشكو إلى جيرانه فيصمّهم عنه ضجيج القصف و اللّذّات
كوخ إذا خطرت به ريح الدجى أومى إلى السكان بالرعشات
" سنوات يوسف " عمره وجداره أبدا تنوء بأعجف السنوات
فيه العجوز و بنتها و غلامها يتذكّرون موارد الأقوات
فالحقل جدب ظاميء و سماؤه صحو تلوح كصفحة المرآة
و الأغنياء ، و هل ترقّ قلوبهم ؟ لا ، إنّها أقسى من الصخرات
و تغلغلوا في الصمت فانتبهوا على شبح ينادي الصمت بالأنّات
فإذا فتى قلق الملامح يختفي تحت الجراح الحمر و الخفقات
فمشى ثلاثتهم إليه وانثنوا بالضّيف بين الدمع و الآهات
وروى لهم خبر العصابة أنّها سدّت عليه الدرب بالهجمات
و تهيّجت فيه الجراح فصدّها و تستّرت باللّيل كالحشرات
فدنت فتاة الكوخ تمسح وجهه و تبلسم الأجراح بالدعوات
و تبلّ من دمه يديها إنّها تشمّ فيه أعبق النفحات
و ترى به ما ليس تدري هل ترة سرّ القضا ؟ أم آية الآيات
فإذا الجراح تنام فيه و يشتفي و يردّ عمرا كان وشك فوات
وإزاءه ابنت الجميلة كلّها روح سماويّ و طهر صلاة
يتجاوب الإغراء في كلماتها كتجاوب الأوتار بالنغمات
أغفى الجريح على السكون و أغمضت أجفان من حوليه كفّ سبات
و الكوخ في حرق الأسى مترقّب بشرى ترفّ عليه كالزهرات

***

و اللّيل تمثال سجين يرتجي فكّ القيود على يد النحّات
فبدا احمرار في الظلام كأنّه لعنات حقد في وجوه طغاة
و تسلّل السحر البليل على الربى كالحلم بين الصحو و الغفوات
يندى و ينثر في البقاع أريجه و يرشّ درب الفجر بالنّسمات
وصيت على الجبل الشموخ أشعّة مسحورة كطفولة القبلات
فكأنّما الجبل المعمّم بالسنى ملك يهزّ الفجر كالرايات
رفع الجبين إلى العلا فتقبّلت في رأسه الأضواء كالموجات
و تسلّق الأفق البعيد شموخه فترى عمامته من الهالات
و تلألأت فوق السفوح مباسم ورديّة الأنفاس و البسمات
وانصبّ تيّار الشروق كأنّه شعل النبوّة في أكفّ هداه
و غزا الدروب فأجفلت قطّاعها ووجوههم تحمرّ بالصفعات
و تصايحت تلك العصابة ما أرى ؟ هذي الجهات المشرقات عداتي
أين المفرّ ؟ و أين أطلب مهربا ؟ و النور يسطع من جميع جهاتي
كيف القرار ؟ و ليس لي كهف و لا درب فيا لي ! ! يا لسوء مماتي !
و أفاق أهل الكوخ حين ثقوبه تومي إلى الأبصار بالومضات
فدنا ثلاثتهم يرون جريحهم فإذا الفتى في سكرة الفرحات
نفض النعاس وشدّ فيه جراحه و استقبل الدنيا بعزم أباه
ورمى إلى كفّ الغلام و أمّه بعض النقود و دعوة البركات
و صبا إلى كفّ الفتاة و قال : يا " نجوى " خذي نخب الزفاف و هاتي
و طوى الجراح وهبّ يقتاد السنى و يبشر الأكواخ بالخيرات
و يقود تاريخا و ينبت خطوة فجرا ينير مسالك القادات

***

فضح الصباح المجرمين فأصبحوا أخبار جرم في فم اللّعنات
و تعالت الأكواخ تنظر أهلها يضعون " غار النصر " في الهامات "
لمس الربيع قلوبهم و حقولهم فاخضوضرت بالبشر و الثمرات
و الجوّ يلقي النور في الدنيا : كما تلقي السيول مناكب الربوات
و الزهر في وهن الشباب مفتّح فوق الغصون كأعين الفتيات
و الأفق يورق بالأشعّة و الندى و الأرض تمرح في حليّ نبات

***

و هنا انتهى دور الجرائم و ابتدى دور وريف الظلّ كالجنّات
فتجمّع الإخوان بعد تفرّق وانضمّ شمل الأهل بعد شتات
صرعت أباطيل الدجنّة يقظة أقوى من الإرهاب و القوّات
و الدجل يذهب كالجفاء و لم تدم إلاّ الحقيقة فوق كلّ عتاة

***

إنّ الحياة مآتم تفضي إلى عرس و أفراح إلى حسرات
لكنّها بخريفها و شتائها و بصيفها .. حكم ودرس عظات
فاختر لسير العمر أيّة غاية إنّ الحقيقة غاية الغايات .




هل أعجبتك القصيدة؟ اضغط زر (اعجبني) لتشارك آلاف المعجبين



موقع أدب (adab.com)


.

اقترح تعديلا على القصيدة
أضف القصيدة إلى مفضلتك
أرسل القصيدة إلى صديق
نسخة مهيئة للطباعة



القصيدة السابقة ( أنا) | القصيدة التالية (مع الحياة)



واقرأ لنفس الشاعر
  • لا تسل عنّي
  • طقوس الحرف
  • يداها
  • بين ذهاب و معاد
  • الحبّ القتيل
  • عودة القائد
  • ضائع في المدينة
  • سكرة الحب
  • في الغرفة الصرعى
  • ما لي صمت عن الرثاء


  • بحث عن قصيدة أو شاعر في ديوان الشعر الفصيح
    عرض لجميع الشعراء | للمساعدة
    احصاءات/ آخر القصائد | خدمات الموقع | قالوا عن الموقع | مفضلتي الخاصة

    أخبر صديقك | من نحن ؟ | راسلنا

    صلاح عبدالصبور قاسم حداد محمود درويش محمد جبر الحربي نزار قباني  مظفر النواب محمد الماغوط أحمد مطر أحمد عبدالمعطي حجازي أدونيس عبدالوهاب البياتي عبدالرحمن العشماوي عبدالعزيز المقالح سميح القاسم





    Follow Jawal_Adab on Twitter

    جميع الحقوق محفوظة لموقع "أدب" ، ويجب مراسلة الإدارة
    عند الرغبة في نشر اي نصوص أو معلومات من صفحات الموقع.
    Copyright ©2005, adab.com