الشعر الفصيح | الشعر العامي | أدباء العرب | الشعر العالمي | الديوان الصوتي | ENGLISH
الأولى >> مصر >> علي محمود طه >> العشاق الثلاثة

العشاق الثلاثة

رقم القصيدة : 66384 نوع القصيدة : فصحى ملف صوتي: لا يوجد


سرى القمر الوضّاح بين الكواكب يفكّر فيما تحته من غياهب
فناداه من وادي الخليّين هاتف بصوت محبّ في الحياة مقارب
يقول له : يا روعة الحسن و الصّبا و أجمل أحلام اللّيالي الكواعب
أنا العاشق الوافي إذا جننّي الدّجى و راعيك بين النّيرات الثّواقب
ألا ليتني حرّ كضوئك أرتقي عوالمك الملأى بشتّى العجائب
و يا ليت لي كنز ابتسامتك التي تبعثرها في الكون من غير حاسب

***

فاصغي إليه الضّوء في صفو جذلان و أضفى على الوادي شعاع حنان
و جاس خلال السّحب و الماء و الثّرى فلم ير في أنحائها وجه إنسان
فصاح به : يا صاحبي ضلّ ناظري فأين ترى ألقاك أم كيف تلقاني
فأوما له إنّي هنا تحت شرفتي وراء زجاجيها أخذت مكاني
أبى البرد أن أستقبل اللّيل قائما و أن أنزل الوادي بحيث تراني
و حسب الهوى من عاشق لك وامق تزوّد عيني من سنا ضوئك الحاني !

***

فألقى عليه الضّوء نظرة حائر و أعرض عنه بابتسامة ساخر
و قال له : يا صاحبي قد جهلتني و يا ربّ شعر ساقه غير شاعر
أنا الموثق المكدود طالت طريقه طريق أسير في رعاية آسر
تجاذبني طاحونة الشّمس كلّما وقفت و تمضي بي سياط المقادر
و ما بسمتي إلا دموع من اللّظى قد التمعت في وجه سهمان حاسر
فدع عنك يا أعجوبة الحبّ عالمي فقبلك لم يلق الأعاجيب ناطري !

***

و أمعن في تفكيره القمر الزّاهي فمر بارض ذات عشب و أمواه
يناجيه منها عاشق ذو ضراعة مناجاة صوفيّ لطيف إله
بقول له : يا مشهدي كلّ ليلة على أنّه في النّاس من غير أشباه
و ترسم لي الأشباح طيف خياله فأدنو لضمّ أو للثم شفاه
تمنّيت لو وسّدت خدّك راحتي و صدرك خفّاق ، و جفنك ساهي

***

فرفذ على الوادي الشّعاع طروبا و ناداه من بين الظّلال مجيبا :
أزح هذه الأغصان عنك لعلّني أصافح و جها ، من هواك حبيبا
فجاوبه : يا قرّة العين إنّني قد اخترت من شطّ الغدير كثيبا
إذا أتعبت عيني السّماء تطلّعا و خالست احظا للنّجوم مريبا
ففي صفحات الماء نهزة عاشق يراك على بعد المزار قريبا
خلوت به ، أرعاك أو في قسامة و أوفر من سحر الجمال نصيبا !

***

فغاض ابتسام الضّوءمن فرط حيرة و صاح : نجييّ أنت حقّرت سيرتي
هو الكون مرآتي ، و مجلى مفاتني و ما لغدير أن يمثّل صورتي
و ما نظر العشّاق إلاّ لعالم يعظّم في المعشوق كلّ صغيرة
أعيذ الذي شبّهتني بجماله أديم محيّا مثل صمّاء صخرتي
أنا الفحمة البيضاء إن جنّني الدّجى أنا الحمّة السوداء ، رأد الظهيرة
فدع عالم الأفلاك و اقنع بلجّة و غازل من الأسماك كلّ عزيرة !

***

و بينا يهيم الضّوء في سبحاته و قد وعظ هذا الكونفي سخرياته
رأى شبحا في قرب نار كأنّما يودّع طيفا غاب عن نظراته
يمدّ ذراعيه ، و يرسل صوته بلوعة قلب في نبراته
إلى القمر السّاري محيّاه شاخص كصاحب نسك غارق في صلاته
فحام عليه الضوء و استمهل الخطى و أجرى سناه الطّلق في قسماته
و صاح به : يا شيخ ما أنت قائل تكلّم ! فإنّ اللّيل في أخرياته

***

فقال له : يا باعث الحبّ و المنى سلمت و حيّتك العوالم و الدّنى
شفيت جوى شبخ أحبّك يافعا و عاش بهذا الحبذ جذلان مؤمنا
و أفنيت عمري أرتقي عالي الذّرى إلى أن بلغت اليوم مثواي ههنا
و أوقد ناري كي تراني و أنثني لأطلق ألحاني ، و أدعوك موهنا
و قيل ضنين لا يجود بوصله فهأنذا ألقاك يا ضوء محسنا
تساوت كلاب تنبح البدر ساريا و نوّام ليل أنكروا آية السنا !

***

فحدّق فيه الضّوء و ارتد مغضبا و قال له : أفنيت في سخفك الصّبا
و لمّا ترح جفنا من السّهد متعبا و سخرية بالنّار ، أن تتفرّبا
كأنّ شعاعي في جفونك قد خبأ و من عبث مثواك في هذه الرّبى
على حين لم تبلغ من النّور مرقبا و ما كنت إلا ّ الواهم المترقّبا
وثالث عشّاق بهم ضقت مذهبا و كانوا لأمثال الخليذين مضربا
فوا أسفا ، ما كنت في الدّهر مذنبا فأجزي بنجوى من تعشّق أو صبا
و ساق على حبذي الدليل المكذّبا سل العاصي الهاوي من الخلد هل نبا
به اللّيل لمّا آثر الأرض و اجتبى؟ أ أبصر قلبي الدّجنّة كوكبا
أضاء له الدّرب السّحيق المشعّبا و هل في سنا غيري تملّي و شبّبا
بحواء و اهتاج اليراع المثقّبا حويتهما روحا طريدا معذّبا
فذاب حيائي منهما ، و تصبّبا و أورثني هذا الشّحوب ، و أعقبا
رأيت فمّا يدنو ، و وجها تخضّبا و صدرا خفوقا فوق صدر توثّبا
غرائز فيها الغيّ و النقص ركّبا تلمّس في ضوئي الأثام المحبّبا
فيا شيخ دع هذا الوشاح المذهّبا تر الحمأ المسنون في الكأس ذوّبا
طفا الرّاح فيه ، و التراب ترسّبا و إنّ كلاب الأرض أشرف مأربا
ينير لها ضوئي الظّلام لتجنبا خطى اللصّ يستار الطّريق المحجّبا
فإن نبحت ضوئي ، تسمّعت معجبا بأرخم لحن ، رنّ في اللّيل مطربا
تحيّة مثن بي أهلّ مرحّبا بني آدم ، إن لم يكن آدم الأبا
رجوت لكم من عالم الرّجس مهربا و آثرتكم بالكلب جدّا مهذّبا

و أجمل بالإنسان أن يتكلّبا

و مال عن الأرض الشّعاع و غرّبا و وسوس فس صدر الدّجى فتألّبا

***





هل أعجبتك القصيدة؟ اضغط زر (اعجبني) لتشارك آلاف المعجبين



موقع أدب (adab.com)


.

اقترح تعديلا على القصيدة
أضف القصيدة إلى مفضلتك
أرسل القصيدة إلى صديق
نسخة مهيئة للطباعة



القصيدة السابقة (قبلة) | القصيدة التالية (أغنية ريفية)



واقرأ لنفس الشاعر
  • الشّاطئ المهجور
  • من الأعماق
  • في منزل ريتشارد فاجنر
  • المعراج
  • الملك البطل
  • إلى المودعة الجميلة
  • رجوع الهارب
  • غرفة الشاعر
  • طارق بن زياد في طريقه إلى الأندلس
  • الشوق العائد


  • بحث عن قصيدة أو شاعر في ديوان الشعر الفصيح
    عرض لجميع الشعراء | للمساعدة
    احصاءات/ آخر القصائد | خدمات الموقع | قالوا عن الموقع | مفضلتي الخاصة

    أخبر صديقك | من نحن ؟ | راسلنا

    صلاح عبدالصبور قاسم حداد محمود درويش محمد جبر الحربي نزار قباني  مظفر النواب محمد الماغوط أحمد مطر أحمد عبدالمعطي حجازي أدونيس عبدالوهاب البياتي عبدالرحمن العشماوي عبدالعزيز المقالح سميح القاسم





    Follow Jawal_Adab on Twitter

    جميع الحقوق محفوظة لموقع "أدب" ، ويجب مراسلة الإدارة
    عند الرغبة في نشر اي نصوص أو معلومات من صفحات الموقع.
    Copyright ©2005, adab.com